الثلاثاء، 30 يونيو 2020
عنفوان جريح
لم أقل له شيئا ولم أسأله عما إذا كان يرغب في صداقتي أم لا..الحديث جرى بيننا سيالا هينا لينا وكأننا أصدقاء من قبل رغم فارق العمر الذي كان جليا واضحا لا تخطئه العين..كان ذلك في محطة الحافلات الخارجية..وحملنا حقائبنا وركبنا الحافلة وكنا مسافرين إلى وجهة واحدة أدى رغبته..لم نتعرف عل الأسماء إلا في منتصف الطريق بعد أن تناولنا وجبة الغداء ثم واصلنا الرحلة ونحن نتجاذب أطراف الحديث بين غفوات متقطعة وحين وصلنا في منتصف الليل أبدى رغبته في أن نكون شركاء في السكن بعد اطمئنت نفسه خلال الرحلة الشاقة إلى أنني صديق يوثق فيه كما قال لي..كان الفرق بيني وبين ذلك الشاب يفوق عقدين من الزمن ولكنه كان يسبق عمره الزمني ويتفوق عليه برجاحة عقله واتزانه العجيب وبه أستطاع أن يكون ندا لي ويلغي ذلك الفارق الذي ربما يكون عقبة كأداء لمن هم في عمره..ومما فاجأني وأذهلني أنه سألني أن نكون معا في خروجنا وتنقلاتنا إن لم يكن لدي ما يمنع من ذلك..لقد جاء هو إلى هنا سائحا وأنا جئت في مهمة خاصة..رحبت برغبته فليس عندي مايمنع ولكني ذكرته فقط بأن ذلك لن يحد من حريته في اختيار ما يريد منفردا فيما لا أريد فأنا هنا صديق لاغير فلا حرج بيننا في الخصوصيات..تفهم ما قلته ووعاه جيدا..وفاجأني ذلك الشاب مرة أخرى في أننا أصبحنا متلازمين حتى في سهراتنا بمنتهى الحرية والقناعة فدهشت من ذلك التوافق العجيب بيني وبينه وقد كنت منذ أن وصلنا وأنا اتوقع منه غير ذلك بكل واقعية لم أنتظر خلافها..ولم نفترق لحظة منذ أن التقينا في محطة الحافلات المغادرة حتى رأيته يبكي ذات ليلة وقد شفه الوجد واشتعل فيه الحنين لرؤية ابنته الوليدة التي هي الثمرة اﻷولى لزواجه..حدثني عما يبكيه وحدثني عن ألمه وما يعانيه منذ أن جاءت ابنته إلى الدنيا وأبصرت الحياة مرورا بولادتها العسيرة وبما أصابها بعد الولادة من مرض عضال أقض مضجعه وفت من عضده وأودى بتحمله فرثيت لحاله ولم أجد ما أعزيه به في مصابه غير أن أبكي معه فقد وجدت أن الكلمات لا تسعف ولا تستطيع أن تخفف شيئا من معاناته ووجدت أن البكاء هو المسعف الذي جاء معبرا صادقا بلا تكلف أو اصطناع..وقد قرر الرحيل والعودة بعد أن نفد منه الصبر ولم يعد يقوى على كتمان مايعتمل في صدره وما يدور في خلده..وتعانقنا في المحطة عناقا حارا وودعته وأنا أدعو له وهو يعتذر ولا مجال لﻹعتذار وتلك حالته..وأدركت أن الشاب جاء إلى هنا هاربا لوحده من هم ثقيل ناء القلب بحمله فانصرف عن المتعة مجبرا وهي في أوجها وهو أشد مايكون في حاجة إليها أو باﻷحرى ذلك ما يقتضيه الحال في فورة الشباب وعنفوانه...
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق