الثلاثاء، 30 يونيو 2020
عنفوان جريح
الاثنين، 22 يونيو 2020
لماذا ترجمت آلام فرتر!
السبت، 20 يونيو 2020
تطرف من جانب آخر
حلقة مفقودة
| بتاريخ: 15 - 01 - 1933 |
مجلة الرسالة العدد 1
للأستاذ احمد أمين
الأستاذ بكلية الآداب بالجامعة المصرية
في مصر حلقة مفقودة لا نكاد نشعر بوجودها في البيئات العلمية مع أنها ركن من أقوى الأركان التي نبني عليها نهضتنا. وفقدانها سبب من أسباب فقرنا في الإنتاج القيم والغذاء الصالح.
تلك الحلقة هي طائفة من العلماء جمعوا بين الثقافة العربية الإسلامية العميقة وبين الثقافة الأوربية العلمية الدقيقة، وهؤلاء يعوزنا الكثير منهم؛ ولا يتسنى لنا أن ننهض إلا بهم، ولا نسلك الطريق إلا على ضوئهم.
إن أكثر من عندنا قوم تثقفوا ثقافة عربية إسلامية بحتة وهم جاهلون كل الجهل بما يجري في العصر الحديث من آراء ونظريات في العلم والأدب والفلسفة لا يسمعون بكانت وبرجسون، ولا بأدباء أوربا وشعرائها، ولا بعلمائها وأبحاثهم. اللهم إلا أسماء تذكر في المجلات والجرائد والكتب الخفيفة لا تغني فتيلا ولا تستوجب علما. وطائفة أخرى تثقفت ثقافة أجنبية بحتة يعرفون آخر ما وصلت إليه نظريات العلم في الطبيعة والكيمياء والرياضة ويتتبعون تطورات الأدب الأوربي الحديث وما أنتج من كتب وروايات وأشعار، ويعلمون نشوء الآراء الفلسفية وارتقاءها إلى عصرنا، ولكنهم يجهلون الثقافة العربية الإسلامية كل الجهل. فان حدثتهم عن جرير والفرزدق والأخطل أشاحوا بوجوههم واعرضوا عنك كأنك تتكلم في عالم غير عالمنا؛ وان ذكرت الكندي والفارابي وابن سينا قالوا أن هي إلا أسماء سميتموها ما لنا بها من علم، وماذا نحصل من هؤلاء إلا على جمل غامضة ومعان عميقة لا تفيد علما ولا تبعث حياة. وبالأمس كنت أتحدث مع طائفة من المتعلمين عن البيروني العالم الإسلامي الرياضي المتوفي سنة 440 هـ وما كشف من نظريات رياضية وفلكية وان المستشرق الألماني سخاو يقرر أنه أكبر عقلية عرفها التاريخ في كل عصوره. وأنه يدعو إلى تأليف جمعية لتمجيده وإحياء ذكره تسمى جمعية البيروني. فحدثني أكثرهم انه لم يسمع بهذا الاسم ولم يصادفه في جميع قراءاته وهو يعرف عن ديكارت وبيكون وهيوم وجون ستوارت مل كثيرا، ولكنه لا يعرف شيئا عن فلاسفة الإسلام. ومثل ذلك قل في الأدب العربي والأوربي والعلم العربي والأوربي كل ثقافته العربية في كتاب القواعد وأدب اللغة للمدارس الثانوية أن كان قد بقي منها شيء في ذاكرته.
هاتان الطائفتان عندنا، يمثل الأولى خريجو الأزهر ودار العلوم ومدرسة القضاء، ويمثل الأخرى نوابغ خريجي المدارس العصرية والبعثات الأوربية. أما الذين حذقوا العربية والعلوم الإسلامية ونالوا حظا وافرا من الثقافة الأجنبية فأولئك هم الحلقة المفقودة في مصر، وفقدانها سبب الركود في الحياة العقلية والأدبية.
ذلك أن الأولين إذا أنتجوا فعيب إنتاجهم أنهم لم يستطيعوا أن يفهموا روح العصر ولا لغة العصر ولا أسلوب العصر، وإنما التزموا التعبير القديم في الكتابة، والنمط القديم في التأليف، وتحجرت أمثلتهم ومل الناس بلاغتهم، وعمادها رأيت أسدا في الحمام وعضت على العناب بالبرد، وعشرة أمثلة من هذا الطراز. ومل الناس نحوهم ومداره ضرب زيد عمرا ورأيت زيدا حسنا وجهه، وسئم الناس منطقهم، وكله الإنسان حيوان وكل حيوان يموت فالإنسان يموت وهذا حجر وكل حجر جماد فهذا جماد. ضجوا بالشكوى لأن الناس لا يسمعون منهم، وضج الناس بالشكوى لأنهم لا يأتون بجديد ولا يضعون القديم في شكل جذاب، ولا يلمسون الحياة التي يحيونها ولا البيئة التي يعيشون فيها فانصرفوا عن الناس وانصرف الناس عنهم ورضوا أن يعيشوا في جوهم الخاص ورضى الناس منهم بذلك وسلكوا سبيلا غير سبيلهم واتبعوا دليلا غير دليلهم.
وأما الآخرون فضعفت ثقافتهم العربية الإسلامية، فلما أرادوا أن يخرجوا شيئا لقومهم أمتهم أعجزهم الأسلوب والروح الإسلامي. فلم يستطيعوا التأليف ولا الترجمة وحاولوا ذلك مرارا فلم يفهم الناس منهم ما يريدون وسبوا القراء ورموهم بالضعف والانحطاط، وسبهم القراء ورموهم بالعي وانهم لا يفهمون ما يكتبون فعاشوا في أنفسهم ولأنفسهم ورضوا من الغنيمة بالإياب.
كان من نتيجة ذلك أن الأدب العربي الإسلامي والعلم العربي الإسلامي والفلسفة العربية الإسلامية على غناها ظلت دفينة لا ينتفع بها، تنتظر جبلا جديدا يسيغها ويهضمها ويبرزها في شكل تألفه الناس، وأن الأدب الغربي والعلم الغربي والفلسفة الغربية حرم منها أكثر الشرقيين ولم يصل إليهم إلا نوع خفيف ينشر في المجلات والجرائد وأمثالها يقرؤها الناس ليطردوا بها الضجر أو يستعطفوا بها النوم، فأما أدب غزير وعلم عميق وكتب محترمة ومجلات قيمة فقليل نادر.
والذي جر إلى فقدان هذه الحلقة أن التعليم عندنا سار في خطين متوازيين لم يلتقيا، فالتعليم العربي الإسلامي سار في خط، والتعليم المدني الحديث سار في خط آخر، ولم تكن هناك محاولات جدية لتلاقي الخطين أو ربط بعضهما ببعض.
لا أمل في إصلاح هذه الحال إلا بالعمل على إيجاد الحلقة المفقودة وهي تذوق الثقافتين، والاغتراف من المنهلين، وإخراج أدب وعلم وفلسفة غذيت بما للعرب والإسلام من ثقافة، ولقحت بما للأوربيين من ثقافة ومنهج، فيها اللغة العربية قوية رصينة وروح الإسلام قوية متينة. وفيها ما للأوربيين من عرض للمسائل جذاب ونهج في الكتابة رشيق وفيها مقارنة شهية بين ما أنتجه الأولون والآخرون. لو تم ذلك لرأيت التاريخ الإسلامي يعرض على القراء في شكل محبوب يقرئونه ويستسيغونه، ورأيت الأدب العربي يقدم إلى الجمهور في ثوبه الجديد فيألفونه ويحبونه ورأيت الفلسفة الإسلامية يغاص عليها غوصاً عميقاً ثم تخرج من أصدافها وتجلى للقراء درة لامعة.
هذا هو السبب في نجاح رفاعة باشا ومدرسته فأنتجت إنتاجا غذى عصرهم بل كان فوق كفايتهم؛ فقد أرسل رفاعة إلى فرنسا بعد أن درس في الأزهر وتعمق في العربية والعلوم الإسلامية فلما حصل على الثقافة الفرنسية وضع يده على المنبعين فأخرج هو ومدرسته للناس ما استساغوه وأحبوه ونهضوا به ولم يكن كذلك من لحق بهم وخلف من بعدهم.
وقد كان إخواننا الهنود أسبق منا إلى إيجاد هذه الحلقة والانتفاع بها. أخرجوا التاريخ الإسلامي في ثوب جديد على نمط ما يكتب الغربيون ولكن بروح إسلامي وكتبوا في الدين الإسلامي والفقه الإسلامي بلغة العصر وروح العصر ونظام العصر كما فعل السيد أمير علي والسيد محمد إقبال فقد تضلع هذان العالمان الجليلان من الثقافة الإسلامية والأوربية؛ وأشرب قلباهما حب الإسلام فأخرجا كتباً يقرؤها الشباب المثقف فيحبها ويحب موضوعها ويستزيد منها، ويقرؤها الشباب المتعلم المتخصص في الطبيعة والكيمياء فيجدها تتمشى مع العلم الذي ثقفه والنهج الذي ألفه. وتقرأ للسيد محمد إقبال فتجده يعرض لفلسفة (كانت) فإذا هو فيها دارس عميق والغزالي فإذا هو باحث خبير فيما يكتُب ويعرض لشعراء الألمان كجوته فيحلله تحليلا يدعو إلى الإعجاب ويتكلم في المعتزلة والصوفية فإذا هو قد تغلغل في أعماقهم واستبطن دخائلهم ثم عرض تعاليمهم كما يعرض الأوربي فلسفة قومه شيقة عذبة لذيذة.
ولكن الهنود يعرضون وآسفاه ذلك باللغة الإنجليزية فلا يغذون جمهورنا ولا يسدون حاجة العالم العربي إنما يتغذى الشرق بهذا يوم توجد هذه الحلقة المفقودة في العالم العربي كمصر والشام فيحيي آثار الأولين بأسلوب الآخرين، ويوم يكسر هذا الحاجز الذي يحجز بين علم الشرق وعلم الغرب، ويوم يلوى الخطان المتوازيان فيلتقيان.
شوقي و حافظ
| بتاريخ: 15 - 01 - 1933 |
مجلة الرسالة العدد 1
أحمد حسن الزيات
شوقي وحافظ
تصدر الرسالة والأسى لا يزال يرمض القلوب على حافظ وشوقي. ولئن رمت المنون لسانيهما الذليقين بالصمت الأبدي، فقد تركت حظيهما يتنازعان الذكر على ألسن الناس. وكان حظ شوقي في مماته كما كان في حياته شديد السطوع قوي البهر فكسف حظ أخيه! وكاد حافظ البائس يضيع في شوقي المجدود كما ضاع موت المنفلوطي في موت سعد!
كان لشوقي المأتم الحافل، والتأبين الفخم، والوفود تترى، والحفلات تقام، والمراثي تفيض بها الصحف، والحكومة تطبع كل ذلك بالطابع الرسمي، فتزيده أبهة وروعة! وكان لحافظ المأتم المتواضع، والجنازة الصامتة، والتأبين الموعود، وأصدقاء خلص يئنون في كل حين أنة، ثم يتركونها تتلاشى كما يتلاشى الرجع البعيد!!
الزعامة والشعر
خلا ميدان الشعر فجأة من قائديه العظيمين فحدث في صفوف الشعراء اضطراب وفوضى! وقام في (السقيفة) المقلدون والمجددون يقولون: منا أمير ومنكم أمير! وهناك أرسل الدكتور طه حسين حُكمه المعروف فزاد الخلاف شدة والجدال حدة! قضى للعراق بأمارة الشعر التقليدي. فغضبت مصر! وكان الأستاذ الهراوي أشد المصريين حنقاً وأعنفهم خصومة. فهو يقول في إستنكار وأنفة. إنه بايع الشاعرين، مبايعة علي للشيخين! ثم ينشد في ذلك أبياتاً فيها معارضة وفيها شدة وفيها جمال، وينتهي إلى أن هذا الحُكم قد أخزى مصر وقضى على نهضة الشعر!! ثم يعود فيستطرد إلى لوم الناقدين والمجددين، وينعى على وزارة المعارف إنصرافِها عن تعضيد الشعر، ويقترح عليها، والله أن تنشئ في ديوانها قلماً يسمى قلم الشُعراء تحمل عنهم فيه أكلاف العيش، وتغلق عليهم باب الغرفة، ثم تقول لهم: قولوا شعراً! ونسي صديقنا الهراوي أن يطلب إلى الوزارة أن تزود كل شاعر بسبحة يعد عليها أبيات الشعر، كما يعد صوفيو التكية كلمات الذكر!!
أما شعراء الشباب الذين لا يجرون على أسلوب الهراوي والزين والكاشف ومحرم ونسيم؛ فهم راضون ببراءة مصر من معرة التقليد ماضون كل المضي إلى التفوق والتميز من طريق الإنتاج والتنافس.
وسورية؟
وسورية التي تجعل من خمائلها ورباها وادي عبقر، وتدل بشعرائها المجددين في الوطن والمهجر، لا يرضيها أن تمر الزعامة بأراضيها إلى العراق دون أن تحيّ أو تلتفت على الأقل! فلقد هبت (العاصفة) تدافع رأي الدكتور في حدة وعنف، وتقول مع السيد نجار: ما للدكتور يرسل الزعامة إلى العراق في طيارة، وكان يكفيه أن يرسلها إلى صاحبها مطران في سيارة.؟
والعراق؟
والعراق هل اغتبط بهذه الزعامة؟ أما الرصافي فيرجو أن يكون خليفة لشوقي وحافظ ثم يسعه ما وسعهما من حُكم التاريخ وتقدير النقد. وأما الزهاوي فأنا اعلم إنه يؤثر أن يكون في ساقة المجددين على أن يكون في طليعة المقلدين. والظاهر أن شعراء العراق قد سرهم هذا التفضيل على علاته، ولكن ساءهم أن يوجه إلى شاعرين معينين. فقد نشر (أديب متقاعد) في جريدة الأخبار البغدادية فصلاً قيماً ينكر فيه استعمال الإمارة والدولة في لغة الشعر ويتساءل عمن جاد على شعراء مصر بهذه الألقاب، ويلاحظ بالحق حرص المصريين على الألقاب وزهد العراقيين بها. ويشكر للدكتور طه ترجيحه العراق على أية حال، ولكنه ينكر رأيه في تعيين جهة الزعامة، (لأنه رأي فرد بعيد عن العراق فلا يصح الاستناد إليه في حكم من الأحكام).
ثم تعصف النخوة في رأس الشاعر الشَاب محمد مهدي الجواهري فيرسل إضبارة كبيرة من شعره إلى الدكتور طه وكأنه يقول له: لو كنت قرأت هذا الشعر لما وجهت الزعامة إلى غير هذا الشاعر!
وإذن؟!
وإذن نستميح صديقنا الدكتور أن يدعها الآن فوضى حتى تسفر جهود الشباب عن عبقرية هذا الزعيم!. .
الجمال والحب
الخميس، 18 يونيو 2020
سمو الحب*
الاثنين، 1 يونيو 2020
صناعة الدهشة
صناعة الدهشة..
كلما ظهر ابتكار جديد في اﻷسواق العالمية وسمع به قومنا عقدوا العزم على اقتنائه وإذا وصل إليهم بادروا إليه وقد أسروا في أنفسهم "هل يراكم من أحد" ثم تراهم يقفون في طوابير طويلة يسعى كل واحد منهم جاهدا أن ينال قصب السبق في امتلاكه ..حينها ينقسم المجتمع إلى فئتين:
فئة تتفكر في ذلك اﻻبتكار أو ما جد فيه من جديد وتتعجب وتندهش قليلا ثم تنسى..
وفئة ﻻ يعنيها التفكر وﻻ يخطر لها التعجب واﻻندهاش على بال ..
الفئة اﻷولى كادت أن تنشط مداركها وتتفتح ولكنها نكست على رؤوسها وعادت سيرتها اﻷولى كمستهلك يتعبه التفكير وﻻ وقت لديه يضيعه في الدهشة..
والفئة الثانية قد ران على قلوبها اﻻستهلاك وختم على سمعها والبصر فهي أشد انغماسا فيه ..
ولكن ما أحوجنا إلى فئة ثالثة تفعل الدهشة وتصنعها فاﻻندهاش دونما إدراك لما وراء الدهشة و عدم محاولة سبر أغوارها وفك طﻻسمها هوفعل سلبي ﻻ يأتي بخير..أما فعل الدهشة فهو أن تتفكر وتتدبر وترسل بصرك إلى البعيد وتزوي مابين حاجبيك وتحاول قدر المستطاع استمطار اﻷسئلة وطرحها ثم تفكيكها لتكون عرضة للإلهام حيث تتفتق اﻷفكار وتزول عنها الحجب..
إن من يفعلون الدهشة ويصنعونها ليسوا من كوكب آخر غير كوكبنا الذي نعيش فيه..؟!
فمتى نصنع نحن الدهشة ونبهر بها اﻵخر كما ابهرنا هو بصناعتها فادهشنا..؟!
حتما لم نخلق للاندهاش فقط وإنما خلقنا للتفكر إما لنؤمن باقتناع وإما لنبدع بإتقان فمن المؤكد أن لدينا العقول ولدينا اﻹمكانات التي غالبا ﻻ يفرج عنها فيحال بينها وبين من يريد استثمارها والتي قد ﻻ تتوفر عند غيرنا بل قد تكون عنده أمنيات حالمة يتمناها فﻻ يجدها..!!
إذن ما الذي ينقصنا..؟!
في اعتقادي إن أهم ماينقصنا الحرية..الحرية السياسية تحديدا فغيابها يضع العراقيل أمام تقدمنا ويحرمنا من مواكبة العصر الحاضر ويحيد بنا عن ركبه فاﻷنظمة في عالمنا العربي تتدخل في كل شيء حتى بتنا نخشى أن يزين لها وسواسها الخناس فيحرضها لترتب لنا كيف تكون أوضاعنا في غرف النوم حسب رؤيتها ومزاجها و بجدول معتمد منها..
إنها تخشانا وتخشى إبداعنا الفكري والصناعي وتخشى أن نظهر في اﻷرض الفساد كما قال فرعون وتوارث قوله كل الفراعنة من بعده..والفساد في مفهوم الفراعنة الجدد هو كل ما من شأنه مناهضة مصالحهم الخاصة.. إذن فهناك انفصام واضح بيننا وبين السلطات التي تحكمنا فهي لم تعي من السياسة غير"فرق تسد" و "جوع كلبك يتبعك" مع اﻹعتذار لشعوبنا العربية البائسة..بالله كيف يتسنى للإنسان العربي أن يبدع وهو في نظر كثير من أنظمته مجرد " كلب " أجاركم الله وجائع أيضا أو باﻷحرى مجوع.. متعب منهك مهلهل اﻷوصال ﻻ وقت لديه للتفكير ..كيف له أن يبدع ويصنع الدهشة فيدهش وهو يسابق الزمن في صراع مرير للحصول على كسرة خبز يقيم بها أوده وحيث ﻻ استقرار وﻻ هدوء وﻻ أمان إﻻ سويعات يرتاح فيها قليلا ويرمم ماانهدم من جسده ليدور بعدها - في معترك الحياة- دوران الساقية والرحى.. ناهيك عن بقية اﻷحمال واﻷثقال التي ينوء بها كاهله و التي من كثرتها يصعب عدها وحصرها.. علاوة على الجوع الثقافي الذي فرضه المنع والحجب والحصار ..
عقل خاو وجسد منهك..جهل ومرض وجوع وكل ذلك نتاج ثمرة الغياب..غياب الحرية..
فالدهشة ﻻ تزدهر إﻻ في مناخ استوائي يمطر حرية طوال العام..
لقد أشغلوك ياسيدي المواطن بالجوع والتشرد في اﻷنحاء واﻷرجاء تبحث عن لقمة عيش ووطن تسكن إليه لتخرج مهاجرا مقهورا أو لتبقى داجنا ﻻتخطر لك الحرية على بال وكلما سألك أحد :
كيف الحال..؟
أجبت ببراءة ساذجة وكأنك حيوان في مزرعة السيد:
"في خير حال.. آكل وأشرب.."
وهل يفعل الحيوان ياسيدي غير ذلك..؟!
وإن تفضلوا عليك بنظرة فتوسموا فيك شيئا من إبداع أو آنسو منك نشاطا وحيوية وضعوا لك عصا اﻹغراء في عجلة حيويتك ونشاطك فأغرقوك في بحار اللذة وحبسوك في جناتها وأغدغوا عليك من أطايب ثمارها فسكرت حتى الثمالة وفقدت الوعي بما حولك وأصبحت بوقا لمن تظنه قد أنعم عليك فتسبح بحمده واصلا ليلك بنهارك تحسب أنك - من فرط سكرتك - ترفل في جنة عرضها السموات واﻷرض و ما علمت أن العالم يمور من حولك بالصحو والنشاط يسعى ليجدد يومه بالخلق واﻹبداع واﻻبتكار وأنت سادر في غفلتك..لذا ستظل مندهشا ياسيدي الموطن ولن تفعل الدهشة أو تصنعها ماداموا فيها قاعدين
فؤاد أم موسى
فؤاد أم موسى...
من بعيد كان هناك خيال امرأة ..
كانت نافذة الفصل مفتوحة في مدرسة " الخزاعي" اﻻبتدائية..وكان التﻻميذ مشغولين ببعض اﻷنشطة التحريرية وكنت أقف أمام النافذة المفتوحة..كان الشارع الطويل ساكنا في هدأة الضحى يتنفس نسائم رقيقة عبقة تضوع من ثناياها رائحة المطر..
اﻷصوات خافتة والشارع يشكو من قلة رواده والدكاكين المفتوحة على جانبيه تستجدي تحية ولو كانت عجلى من زبون مار..
لما أصبح الخيال في مجال النظر واتضحت معالمه ..ظهرت امرأة عجوز تتهادى.. تتوكأ عصا تأن تحت ضغط يديها فترفعها في الهواء بين حين وحين كأنما تريحها شفقة بها
من وعثاء الطريق..
تساقطت قطرات المطر وتناثرت حباته كاللؤلؤ المنثور ..كالدرر ..وراحت تنقر نوافذ الفصل في لحن بهيج مسكون بالفرح..فرح البشرى بلقاء غائب طال انتظاره كثير ما يمارس الغياب ونادرا ما يفكر باﻹياب ويسعف اﻷحباب بزيارة تبل الصدى وتطفيء لهيب اﻷشواق..
تقافز التﻻميذ دون استئذان وتعلقوا بالنوافذ ليشهدوا ميﻻد حبيب قلما يجود بوصل في نهارات يتسيدها الجفاف والهجير..وأنشدوا دون وعي وقد أسكرهم الفرح:
(يامطره حطي..حطي) كأنما يستعجلونه و يحثونه على النزول ضيفا على مرابعهم التي ما فتئت تحن إلى مقدمه..!!
كانت العجوز حينها في محاذاة الفصل بالتحديد وفجأة توقفت أمامه ورفعت رأسها وتوجهت بوجهها نحوه وجعلته قبلتها بحركة العارف لمايفعل وصوبت النظر إليه ثم رفعت اكف الضراعة إلى السماء دون أن تلقي باﻻ لشدة انهمار المطر الذي راح يبلل عباءتها بخطوط متناثرة متعرجة تنحدر إلى من اﻷعلى إلى اﻷسفل..
كانت الدعوات ترتفع منها بإلحاح عجيب..إلحاح من تيقن من الوصول ومن ثم اﻹجابه..كانت تحرك يديها إلى اﻷعلى وكأنما هي بحركتها تلك تدفع الدعوات بقوة نحو السماء وقد اغتسلت كلماتها بماء المطر ذلك الماء الطاهر المبارك...
عجبت مما أرى ولم يطل عجبي كثيرا فقد جاءني الجواب سريعا عندما صاح غير واحد من التﻻميذ :
إنها أم موسى..موسى نداو
سألت: من موسى نداو..؟!
كان اﻷسم ليس غريبا..كان متداوﻻ بقوة في تلك اﻷيام..ضحكت وفي عيني حيرة تبحث عن مخرج..أشار أحدهم - وكأنه أحس بحيرتي فبددها بإشارته - إلى تلميذ أسمر كان يتحرك بعفوية مشاركا أقرانه تحية المطر..:
هذا هو موسى نداو..
قلت ولكن ليس هذا اسمه..!!
قال: أجل .. نحن من أسميناه موسى نداو ﻷنه يشبه تماما ﻻعب فريق "الهﻻل" "موسى نداو"..
لم يخطيء التﻻميذ كثيرا في تسميتهم لزميلهم باسم الﻻعب فقد كان الشبه كبيرا في اللون والمﻻمح والحركات أيضا..
في تلك الفترة من الزمن لمع نجم الﻻعب "موسى نداو" كﻻعب أفريقي محترف في صفوف نادي الهﻻل..ونال إعجاب الجماهير بإجادته لتنفيذ الكرات الثابتة وتصويبهابدقة متناهية لتلج في اﻷغلب مرمى الخصوم وتعانق الشباك محدثة هزة فرح في قلوب مشجعي الفريق وأنصاره..
لم يكن فؤاد أم موسى فارغا فقد كان مليئا مترعا بالحب والحنان..وقوفها تحت المطر ﻻيقفه إنسان خال من المشاعر..لقد اشتعل الدعاء نارا بين كفيها فغابت فيه وقد فقدت اﻻحساس بماحولها بعد اتصالها بعالم الروح فكانت تلك النار بردا و سﻻما على قلبها ولم تنطفيء شعلة الدعاء المتصاعد رغم غزارة نزول المطر ..!!
ظلت أم موسى تدعو حتى اطمئنت وﻻمس برد القبول شغاف قلبها ثم مضت في طريقها ﻻ تلوي على شيء...
قال التﻻميذ:إنها تفعل ذلك كلما مرت من أمام المدرسة وهي في طريقها لقضاء بعض شؤونها..
إنها تدعو لموسى بالتوفيق والسداد وتنثر حوله بركات قلب محب يرجو له الخير كله..بورك موسى وبورك من حول موسى..فقد ينالهم شيئا من بركات دعاء أم موسى..!!
عجبت حين علمت من أحد التﻻميذ بأنها لم تكن أمه..وأنه فقد كل أسرته وهو في الثالثة من عمره في حادث أليم لم ينجو منه أﻻ هو فكانت المرأة العجوز هي اﻷم الرؤوم و الحجر الدافئ الذي تربى فيه ..ترعرع وعاش موسى في كنف دعائها وتحت مظلة عطفهاوحنانها..
كانت شجرة وارفة الظﻻل أظلته من لهيب الفقد وبلسما داوى جراح مأساته فلم يعرف أما غيرها بعد أن غابت مﻻمح أمه وتوارت عن مخيلته الصغيرة..
عجبت أنها لم تكن أمه ولم ينقض عجبي..عجبت من تدفق الرحمة من قلبها كجدول رقراق يسبح فيه موسى وحيدا دون سواه مكلﻻ بالرعاية والعناية..!!
ثم عجبت أكثر من نفسي.. كيف ياترى لم ألحظ سن المرأة وعجزها...؟!!
سﻻم على أم موسى في الطيبين الراحمين
وسﻻم على فؤادها المتيم بحب
دع الغل..
ﻻتفعل شيئا نكاية بأحد حتى لو تأكدت وتيقنت بأنه لن يضره..لن ينجح ذلك الشيء..لن يفلح مهما حاولت..دع الغل وأبدا حياة جديدة و ليس العبارة الشهيرة( دع القلق)..فمن أين يأتيك القلق واﻻكتئاب إن لم يكن بك غل على أحد.. أقلب قاموس حياتك رأسا على عقب وهزه هزا طويﻻ متواصﻻ حتى تسقط منه كل مفردات الغل ومرادفات التشفي ليصبح قاموسا صافيا نقيا من الشوائب طاهرا من الرجس والدنس تستطيع منه ان تتوضأ وبه تصلي..!!
أعرف ان للغل والنكاية لذة قاهرة.. لذة ﻻ تعدلها لذة ولكن حتما سيأتيك في الليل مرها فيقتات على راحتك و يسهر معك حتى الصباح ..واعلم إنما هي لذة عابرة مهما حاولنا
إطالتها بالتكرار وبمكر الليل والنهار...
سﻻمك أنت وأمنك ﻻ يغني عنه سﻻم العالم وأمنه..
استمع معي هنا لقول من خلق النفس البشرية وهو من سواها وعرف أدق أسرارها و علم أخفى سرائرها :
( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(45)ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ(46)وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(47)لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ(48).)"سورة الحجر""
يقول سيد قطب رحمه الله عن اﻵية القرآنية السابقة في لفتة إيمانية صادقة من كتابه(في ظﻻل القرآن ) " إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض و لا تحويلهم خلقا آخر ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا و بأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها و لكنه يعالجها فقط لتخف حدتها ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله وهل الإيمان إلا الحب والبغض ولكنهم في الجنة وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم و لا تكون إلا الأخوة الصافية الودود إنها درجة أهل الجنة فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض فليستبشر بأنه من أهلها مادام ذلك وهو مؤمن فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال" واستمع معي لقول الرسول اﻷعظم صلى الله عليه وسلم إذ يقول:
( ألا أنبئكم بشراركم ) . قالوا : بلى إن شئت يا رسول الله . قال : ( إن شراركم الذي ينزل وحده ويجلد عبده ويمنع رفده ، أفلا أنبئكم بشر من ذلك )؟ قالوا : بلى إن شئت يا رسول الله . قال ( من يبغض الناس ويبغضونه ، أفلا أنبئكم بشر من ذلك )؟ قالوا : بلى إن شئت يا رسول الله قال : ( الذين لا يقيلون عثرة ولا يقبلون معذرة ولا يغفرون ذنبا ، أفلا أنبئكم بشر من ذلك )؟ قالوا : بلى إن شئت يا رسول الله . قال : ( ومن لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ) .
ويقول أيضا مؤكدا على عظم ذلك:
( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ) قالوا : بلى يا رسول الله . قال ( إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا اقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ) .
إياك أن تعتقد اني أتيه عليك هنا وأمثل دور الناصح اﻷمين أمامك كما يقولون فالنصح كما تعرف وأعرف قلما يؤتي أكله إن لم يكن في ركابه يجري اقتناع مجرد من الرهبة..فالذي قلته لك ﻻ يعدو كونه كلمات استشفائية قد تنفعني وتنفعك في ثرثرة تخيلتها بيني وبينك ونحن في طريق طويل كنا نجتهد في قطعه بالشكوى ..أنا أشكو وأنت تشكو حتى أدركنا شيئا من الوئام و اﻷمن والسﻻم