الثلاثاء، 30 يونيو 2020

عنفوان جريح

لم أقل له شيئا ولم أسأله عما إذا كان يرغب في صداقتي أم لا..الحديث جرى بيننا سيالا هينا لينا وكأننا أصدقاء من قبل رغم فارق العمر الذي كان جليا واضحا لا تخطئه العين..كان ذلك في محطة الحافلات الخارجية..وحملنا حقائبنا وركبنا الحافلة وكنا مسافرين إلى وجهة واحدة أدى رغبته..لم نتعرف عل الأسماء إلا في منتصف الطريق بعد أن تناولنا وجبة الغداء ثم واصلنا الرحلة ونحن نتجاذب أطراف الحديث بين غفوات متقطعة وحين وصلنا في منتصف الليل أبدى رغبته في أن نكون شركاء في السكن بعد اطمئنت نفسه خلال الرحلة الشاقة إلى أنني صديق يوثق فيه كما قال لي..كان الفرق بيني وبين ذلك الشاب يفوق عقدين من الزمن ولكنه كان يسبق عمره الزمني ويتفوق عليه برجاحة عقله واتزانه العجيب وبه أستطاع أن يكون ندا لي ويلغي ذلك الفارق الذي ربما يكون عقبة كأداء لمن هم في عمره..ومما فاجأني وأذهلني أنه سألني أن نكون معا في خروجنا وتنقلاتنا إن لم يكن لدي ما يمنع من ذلك..لقد جاء هو إلى هنا سائحا وأنا جئت في مهمة خاصة..رحبت برغبته فليس عندي مايمنع ولكني ذكرته فقط بأن ذلك لن يحد من حريته في اختيار ما يريد منفردا فيما لا أريد فأنا هنا صديق لاغير فلا حرج بيننا في الخصوصيات..تفهم ما قلته ووعاه جيدا..وفاجأني ذلك الشاب مرة أخرى في أننا أصبحنا متلازمين حتى في سهراتنا بمنتهى الحرية والقناعة فدهشت من ذلك التوافق العجيب بيني وبينه وقد كنت منذ أن وصلنا وأنا اتوقع منه غير ذلك بكل واقعية لم أنتظر خلافها..ولم نفترق لحظة منذ أن التقينا في محطة الحافلات المغادرة حتى رأيته يبكي ذات ليلة وقد شفه الوجد واشتعل فيه الحنين لرؤية ابنته الوليدة التي هي الثمرة اﻷولى لزواجه..حدثني عما يبكيه وحدثني عن ألمه وما يعانيه منذ أن جاءت ابنته إلى الدنيا وأبصرت الحياة مرورا بولادتها العسيرة وبما أصابها بعد الولادة من مرض عضال أقض مضجعه وفت من عضده وأودى بتحمله فرثيت لحاله ولم أجد ما أعزيه به في مصابه غير  أن أبكي معه فقد وجدت أن الكلمات لا تسعف ولا تستطيع أن تخفف شيئا من معاناته ووجدت أن البكاء هو المسعف الذي جاء معبرا صادقا بلا تكلف أو اصطناع..وقد قرر الرحيل والعودة بعد أن نفد منه الصبر ولم يعد يقوى على كتمان مايعتمل في صدره وما يدور في خلده..وتعانقنا في المحطة عناقا حارا وودعته وأنا أدعو له وهو يعتذر ولا مجال لﻹعتذار وتلك حالته..وأدركت أن الشاب جاء إلى هنا هاربا لوحده من هم ثقيل ناء القلب بحمله فانصرف عن المتعة مجبرا وهي في أوجها وهو أشد مايكون في حاجة إليها أو باﻷحرى ذلك ما يقتضيه الحال في فورة الشباب وعنفوانه...

الاثنين، 22 يونيو 2020

لماذا ترجمت آلام فرتر!

مجلة الرسالة العدد 3
 15 - 02 - 1933
اﻷستاذ/أحمد حسن الزيات

(إلى الصديق الذي سألني هذا السؤال وهو طليق الحرية في بغداد فأجبته وهو سجين في كركوك)

تسألني لماذا ترجمت فرتر. . . والجواب عن هذا السؤال حديث، والحديث غداً سيكون قصة، وليس يعنيك اليوم منها إلا ما نجم عنها:

قال ((جوت) يوماً لصديقه (اكيرمان): (كل امرئ يأتي عليه حين من دهره يظن فيه أن (فرتر) إنما كتب له خاصة) وأنا في سنة 1919 كنت أجتاز هذا الحين!: شباب طرير حصره الحياء والانقباض والدرس ونمط التربية وطبيعة المجتمع في دائرة ليس فيها من الواقع غير وجوده،. . . وإحساس مشبوب يتوقد شعوراً بالجمال، وقلب رغيب يتحرق ظمأ إلى الحب، ونوازع طماحة ما تنفك تجيش، وعواطف سيالة ما تكاد تتماسك! فالطبيعة في خيالي شعر، وحركات الدهر نغم، وقواعد الحياة فلسفة!. . وكان فهمي لكل شيء وحكمي على كل شخص يصدران عن منطق أفسد أقيسته الخيال، وزور نتائجه المثل الأعلى. ثم غمر هذه الحال التي وصفت هوى دخيل هادئ ولكنه مُلِحّ، فسبحت منه في فيض سماوي من النشوة واللذة، وأحسست أن وجودي الخالي قد امتلأ، وقلبي الصادي قد ارتوى، وحسي الفائر قد سكن، وتخيلت أن حياتي الحائرة قد أخذت تسير في طريق لاحِب تنتثر على مدارجه نواضر الورود، وترف على جوانبه نوافح الريحان، وتزهو على جوانبه ألوان عبقر، وترقص على حفافيه عرائس الحور!. . ورحت أسلك هذا الطريق السحري محمولاً على جناح الهوى كأنني (فوست) على جناحي (ميفستوفاليس) حتى ذكرني الزمان الغافل فأقام فيه عقبة أصطدم عندها الخيال بالواقع، والحبيب بالخاطب، والعاطفة بالمنفعة!! على أنني بقيت على رغم الصدمة حياً ولا بد للحي أن يسير!!

تطلعت وراء العقبة أنظر الطريق فإذا الأرض قفر والورد عوسج والريحان حمض، والعرائس وحوش. فشعرت حينئذ بالحاجة إلى الرفيق المؤنس!. . ولكن أين أنشد ما أبغي وحولي من الفراغ نطاق مخيف، وأمامي على أسنة الصخور أشلاء وجثث!!؟ 
هذه أشباح صرعى الهوى تتراءى لعينيَّ، وهذه أرواح قتلاه تتهافت عليّ، وهذه سجلات مصارعهم بين يدي، فلم لا أحدو بأناشيدهم رواحلي، وأقطع بمناجاتهم مراحلي، وألتمس في مواجعهم لهواي عزاء وسلوة؟؟ قرأت هيلويز الجديدة، ورينيه، وأتالا، وأدولف، ودومينيك، وماريون دلورم، ومانون ليسكو، وذات الكميليا، وجرازيلا، ورفائيل، وجان دكريف، وتوثقت بأشخاصها صلاتي، وتصعدت في زفراتهم زفراتي، وتمثلت في نهايتهم المحزنة نهايتي. ولكنهم كانوا جميعاً غيري، نتفق في الموضوع ولكن نفترق في الوضع، كالنساء النوادب في مناحة، تندب كل واحدة منهن فقيدها وموضوع الأسى للجميع واحد هو الموت!!

فلما قرأت (آلام فرتر) سمعت نواحاً غير ذلك النواح، ورأيت روحاً غير هاتيك الأرواح، وأحسست حالاً غير تلك الحال!! كنت أقرأ ولا أرى في الحادثة سواي، وأشعر ولا أشعر إلا بهواي، وأندب ولا أندب إلا بلواي، فهل كنت أقرأ في خيالي أم أنظر في قلبي، أم هو الصدق في نقل الشعور والحذق في تصوير العاطفة يظهران قلوب الناس جميعاً على لون واحد؟؟

كنا يومئذ في مايو والطبيعة تعلن عن حبها بالألوان والألحان والعطر، ونفسي تحاول أن تعلن عن هواها بالدموع والشعر، فآلامي تجيش في عيني، وعواطفي تتنزَّى على لساني وبلابلي تتوثب في خاطري، وكلها تطلب السبيل إلى العلانية، (والشكوى في الحب كالطفح في الحمى كلاهما عرض ملازم) فلما قرأت (فرتر) تنفس جواي المكظوم، واستغنى عن البيان هواي المكتوم، لأنني لو كنت صببت مهجتي على قرطاس لما كانت غير (فرتر)، وهل فرتر إلا قصة الشباب في كل جيل؟ رجل شديد الحس قوي العاطفة يتقسم الخيال (والايديال) نواحي نفسه، ورجل آخر بارد الطبع عملي الفكر يعرف دائماً كيف يجر النار إلى قرصه، وامرأة بينهما يجذبها إلى الأول طبعها الغزلي وقلبها الشاعر ويربطها بالثاني عقلها المادي ووعدها المأخوذ. . . هذا هو موضوع آلام فرتر وهو عينه موضوع آلامي. . . فلم لا أنقله إذن إلى لغتي لينطق عن لساني كما ترجم صادقاً عن ضميري؟؟

فنيت في (جوت) وقادني إلهامه وروحه، وأهَبْتُ بلغة القرآن والوحي أن تتسع لهذه النفحات القدسية فأسعفتني ببيانها الذي يتجدد على الدهر ويزهو على طول القرون. ثم أصبح فرتر بعد ذلك لنفسي صلاة حب ونشيد عزاء ورُقْيَة هم!! كأنما كان (جوت) يناديها من وراء الغيب حين يقول في تقدمته لفرتر: (وأنت أيتها النفس. . . إذا أشجاك ما أشجاه من غصة الهم وحرقة الجوى فاستمدي الصبر والعزاء من آلامه وتلمسي البرء والشفاء في أسقامه، واتخذي هذا الكتاب صاحباً وصديقاً إذا أبى عليك دهرك أو خطؤك أن تجدي من الأصدقاء من هو أقرب اليك وأحنى عليك؟؟

أ. الزيات

السبت، 20 يونيو 2020

تطرف من جانب آخر

الملحد اتخذ قرارا ألا يعترف بإي إله..ويموت الملحد على ذلك بل ينتحر وينهي حياته بيده مطمئنا باختياره مقتنعا بأنه بفعله هذا صاحب رسالة يؤديها للإنسانية ويضحي بنفسه من أجل إيصالها إليهم فيأتي أصحاب القلوب الرحيمة من العلمانيين والليبراليين ويطلبون منك ألا تتدخل بينه وبين ربه بل يكادون أن يجبروك ويجبروا الناس على الترحم عليه..وهنا يطرح سؤال بسيط جدا:
من هو ربه وإلهه وهو لا يعترف لا برب وﻻ إله!
سيقولون لك الله..وهذا صحيح فالله ربه وخالقه سواء أعترف أو لم يعترف ولكن الله قال لنا قولا لم يقله إله قبله ولا بعده:
"إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا"
فكيف نؤمن إن لم نصدق الله هل نغامر بما نؤمن به في سبيل من أشرك وألحد وانتحر باختياره ولم يسأل الرحمة والمغفرة من أحد ثم يأتي أولئك يشنعون على الناس إيمانهم بصدق ما قاله الله ويرهبونهم بمغبة اﻹفتئات على الله والتدخل في شؤونه وتقسيم رحمته..نحن لم نتدخل أبدا ولم نتقول على الله ما لم يقل ولم نتأل عليه إنما هو قال ا فصدقناه وآمنا وبيناه للناس كيلا يشجعهم المتطرفون العلمانيون والليبراليون على تهوين الشرك واﻹلحاد والشذوذ والانتحار في أنفسهم ويمنونهم بأن الله غفور رحيم وقد نفى الله ذلك في اﻵية البينة الصريحة السابقة التي يتحاشون ذكرها ويتمنون إخفاءها أ طمسها لو استطاعوا إلى ذلك سبيلا..فمن ياترى الذي يتألى على الله ولا يصدق كلامه نحن أم هم!!

حلقة مفقودة

بتاريخ: 15 - 01 - 1933

مجلة الرسالة العدد 1
للأستاذ احمد أمين

الأستاذ بكلية الآداب بالجامعة المصرية

في مصر حلقة مفقودة لا نكاد نشعر بوجودها في البيئات العلمية مع أنها ركن من أقوى الأركان التي نبني عليها نهضتنا. وفقدانها سبب من أسباب فقرنا في الإنتاج القيم والغذاء الصالح.

تلك الحلقة هي طائفة من العلماء جمعوا بين الثقافة العربية الإسلامية العميقة وبين الثقافة الأوربية العلمية الدقيقة، وهؤلاء يعوزنا الكثير منهم؛ ولا يتسنى لنا أن ننهض إلا بهم، ولا نسلك الطريق إلا على ضوئهم.

إن أكثر من عندنا قوم تثقفوا ثقافة عربية إسلامية بحتة وهم جاهلون كل الجهل بما يجري في العصر الحديث من آراء ونظريات في العلم والأدب والفلسفة لا يسمعون بكانت وبرجسون، ولا بأدباء أوربا وشعرائها، ولا بعلمائها وأبحاثهم. اللهم إلا أسماء تذكر في المجلات والجرائد والكتب الخفيفة لا تغني فتيلا ولا تستوجب علما. وطائفة أخرى تثقفت ثقافة أجنبية بحتة يعرفون آخر ما وصلت إليه نظريات العلم في الطبيعة والكيمياء والرياضة ويتتبعون تطورات الأدب الأوربي الحديث وما أنتج من كتب وروايات وأشعار، ويعلمون نشوء الآراء الفلسفية وارتقاءها إلى عصرنا، ولكنهم يجهلون الثقافة العربية الإسلامية كل الجهل. فان حدثتهم عن جرير والفرزدق والأخطل أشاحوا بوجوههم واعرضوا عنك كأنك تتكلم في عالم غير عالمنا؛ وان ذكرت الكندي والفارابي وابن سينا قالوا أن هي إلا أسماء سميتموها ما لنا بها من علم، وماذا نحصل من هؤلاء إلا على جمل غامضة ومعان عميقة لا تفيد علما ولا تبعث حياة. وبالأمس كنت أتحدث مع طائفة من المتعلمين عن البيروني العالم الإسلامي الرياضي المتوفي سنة 440 هـ وما كشف من نظريات رياضية وفلكية وان المستشرق الألماني سخاو يقرر أنه أكبر عقلية عرفها التاريخ في كل عصوره. وأنه يدعو إلى تأليف جمعية لتمجيده وإحياء ذكره تسمى جمعية البيروني. فحدثني أكثرهم انه لم يسمع بهذا الاسم ولم يصادفه في جميع قراءاته وهو يعرف عن ديكارت وبيكون وهيوم وجون ستوارت مل كثيرا، ولكنه لا يعرف شيئا عن فلاسفة الإسلام. ومثل ذلك قل في الأدب العربي والأوربي والعلم العربي والأوربي كل ثقافته العربية في كتاب القواعد وأدب اللغة للمدارس الثانوية أن كان قد بقي منها شيء في ذاكرته.

هاتان الطائفتان عندنا، يمثل الأولى خريجو الأزهر ودار العلوم ومدرسة القضاء، ويمثل الأخرى نوابغ خريجي المدارس العصرية والبعثات الأوربية. أما الذين حذقوا العربية والعلوم الإسلامية ونالوا حظا وافرا من الثقافة الأجنبية فأولئك هم الحلقة المفقودة في مصر، وفقدانها سبب الركود في الحياة العقلية والأدبية.

ذلك أن الأولين إذا أنتجوا فعيب إنتاجهم أنهم لم يستطيعوا أن يفهموا روح العصر ولا لغة العصر ولا أسلوب العصر، وإنما التزموا التعبير القديم في الكتابة، والنمط القديم في التأليف، وتحجرت أمثلتهم ومل الناس بلاغتهم، وعمادها رأيت أسدا في الحمام وعضت على العناب بالبرد، وعشرة أمثلة من هذا الطراز. ومل الناس نحوهم ومداره ضرب زيد عمرا ورأيت زيدا حسنا وجهه، وسئم الناس منطقهم، وكله الإنسان حيوان وكل حيوان يموت فالإنسان يموت وهذا حجر وكل حجر جماد فهذا جماد. ضجوا بالشكوى لأن الناس لا يسمعون منهم، وضج الناس بالشكوى لأنهم لا يأتون بجديد ولا يضعون القديم في شكل جذاب، ولا يلمسون الحياة التي يحيونها ولا البيئة التي يعيشون فيها فانصرفوا عن الناس وانصرف الناس عنهم ورضوا أن يعيشوا في جوهم الخاص ورضى الناس منهم بذلك وسلكوا سبيلا غير سبيلهم واتبعوا دليلا غير دليلهم.

وأما الآخرون فضعفت ثقافتهم العربية الإسلامية، فلما أرادوا أن يخرجوا شيئا لقومهم أمتهم أعجزهم الأسلوب والروح الإسلامي. فلم يستطيعوا التأليف ولا الترجمة وحاولوا ذلك مرارا فلم يفهم الناس منهم ما يريدون وسبوا القراء ورموهم بالضعف والانحطاط، وسبهم القراء ورموهم بالعي وانهم لا يفهمون ما يكتبون فعاشوا في أنفسهم ولأنفسهم ورضوا من الغنيمة بالإياب.

كان من نتيجة ذلك أن الأدب العربي الإسلامي والعلم العربي الإسلامي والفلسفة العربية الإسلامية على غناها ظلت دفينة لا ينتفع بها، تنتظر جبلا جديدا يسيغها ويهضمها ويبرزها في شكل تألفه الناس، وأن الأدب الغربي والعلم الغربي والفلسفة الغربية حرم منها أكثر الشرقيين ولم يصل إليهم إلا نوع خفيف ينشر في المجلات والجرائد وأمثالها يقرؤها الناس ليطردوا بها الضجر أو يستعطفوا بها النوم، فأما أدب غزير وعلم عميق وكتب محترمة ومجلات قيمة فقليل نادر.

والذي جر إلى فقدان هذه الحلقة أن التعليم عندنا سار في خطين متوازيين لم يلتقيا، فالتعليم العربي الإسلامي سار في خط، والتعليم المدني الحديث سار في خط آخر، ولم تكن هناك محاولات جدية لتلاقي الخطين أو ربط بعضهما ببعض.

لا أمل في إصلاح هذه الحال إلا بالعمل على إيجاد الحلقة المفقودة وهي تذوق الثقافتين، والاغتراف من المنهلين، وإخراج أدب وعلم وفلسفة غذيت بما للعرب والإسلام من ثقافة، ولقحت بما للأوربيين من ثقافة ومنهج، فيها اللغة العربية قوية رصينة وروح الإسلام قوية متينة. وفيها ما للأوربيين من عرض للمسائل جذاب ونهج في الكتابة رشيق وفيها مقارنة شهية بين ما أنتجه الأولون والآخرون. لو تم ذلك لرأيت التاريخ الإسلامي يعرض على القراء في شكل محبوب يقرئونه ويستسيغونه، ورأيت الأدب العربي يقدم إلى الجمهور في ثوبه الجديد فيألفونه ويحبونه ورأيت الفلسفة الإسلامية يغاص عليها غوصاً عميقاً ثم تخرج من أصدافها وتجلى للقراء درة لامعة.

هذا هو السبب في نجاح رفاعة باشا ومدرسته فأنتجت إنتاجا غذى عصرهم بل كان فوق كفايتهم؛ فقد أرسل رفاعة إلى فرنسا بعد أن درس في الأزهر وتعمق في العربية والعلوم الإسلامية فلما حصل على الثقافة الفرنسية وضع يده على المنبعين فأخرج هو ومدرسته للناس ما استساغوه وأحبوه ونهضوا به ولم يكن كذلك من لحق بهم وخلف من بعدهم.

وقد كان إخواننا الهنود أسبق منا إلى إيجاد هذه الحلقة والانتفاع بها. أخرجوا التاريخ الإسلامي في ثوب جديد على نمط ما يكتب الغربيون ولكن بروح إسلامي وكتبوا في الدين الإسلامي والفقه الإسلامي بلغة العصر وروح العصر ونظام العصر كما فعل السيد أمير علي والسيد محمد إقبال فقد تضلع هذان العالمان الجليلان من الثقافة الإسلامية والأوربية؛ وأشرب قلباهما حب الإسلام فأخرجا كتباً يقرؤها الشباب المثقف فيحبها ويحب موضوعها ويستزيد منها، ويقرؤها الشباب المتعلم المتخصص في الطبيعة والكيمياء فيجدها تتمشى مع العلم الذي ثقفه والنهج الذي ألفه. وتقرأ للسيد محمد إقبال فتجده يعرض لفلسفة (كانت) فإذا هو فيها دارس عميق والغزالي فإذا هو باحث خبير فيما يكتُب ويعرض لشعراء الألمان كجوته فيحلله تحليلا يدعو إلى الإعجاب ويتكلم في المعتزلة والصوفية فإذا هو قد تغلغل في أعماقهم واستبطن دخائلهم ثم عرض تعاليمهم كما يعرض الأوربي فلسفة قومه شيقة عذبة لذيذة.

ولكن الهنود يعرضون وآسفاه ذلك باللغة الإنجليزية فلا يغذون جمهورنا ولا يسدون حاجة العالم العربي إنما يتغذى الشرق بهذا يوم توجد هذه الحلقة المفقودة في العالم العربي كمصر والشام فيحيي آثار الأولين بأسلوب الآخرين، ويوم يكسر هذا الحاجز الذي يحجز بين علم الشرق وعلم الغرب، ويوم يلوى الخطان المتوازيان فيلتقيان.

شوقي و حافظ

بتاريخ: 15 - 01 - 1933

مجلة الرسالة العدد 1
أحمد حسن الزيات

شوقي وحافظ

تصدر الرسالة والأسى لا يزال يرمض القلوب على حافظ وشوقي. ولئن رمت المنون لسانيهما الذليقين بالصمت الأبدي، فقد تركت حظيهما يتنازعان الذكر على ألسن الناس. وكان حظ شوقي في مماته كما كان في حياته شديد السطوع قوي البهر فكسف حظ أخيه! وكاد حافظ البائس يضيع في شوقي المجدود كما ضاع موت المنفلوطي في موت سعد!

كان لشوقي المأتم الحافل، والتأبين الفخم، والوفود تترى، والحفلات تقام، والمراثي تفيض بها الصحف، والحكومة تطبع كل ذلك بالطابع الرسمي، فتزيده أبهة وروعة! وكان لحافظ المأتم المتواضع، والجنازة الصامتة، والتأبين الموعود، وأصدقاء خلص يئنون في كل حين أنة، ثم يتركونها تتلاشى كما يتلاشى الرجع البعيد!!

الزعامة والشعر

خلا ميدان الشعر فجأة من قائديه العظيمين فحدث في صفوف الشعراء اضطراب وفوضى! وقام في (السقيفة) المقلدون والمجددون يقولون: منا أمير ومنكم أمير! وهناك أرسل الدكتور طه حسين حُكمه المعروف فزاد الخلاف شدة والجدال حدة! قضى للعراق بأمارة الشعر التقليدي. فغضبت مصر! وكان الأستاذ الهراوي أشد المصريين حنقاً وأعنفهم خصومة. فهو يقول في إستنكار وأنفة. إنه بايع الشاعرين، مبايعة علي للشيخين! ثم ينشد في ذلك أبياتاً فيها معارضة وفيها شدة وفيها جمال، وينتهي إلى أن هذا الحُكم قد أخزى مصر وقضى على نهضة الشعر!! ثم يعود فيستطرد إلى لوم الناقدين والمجددين، وينعى على وزارة المعارف إنصرافِها عن تعضيد الشعر، ويقترح عليها، والله أن تنشئ في ديوانها قلماً يسمى قلم الشُعراء تحمل عنهم فيه أكلاف العيش، وتغلق عليهم باب الغرفة، ثم تقول لهم: قولوا شعراً! ونسي صديقنا الهراوي أن يطلب إلى الوزارة أن تزود كل شاعر بسبحة يعد عليها أبيات الشعر، كما يعد صوفيو التكية كلمات الذكر!!

أما شعراء الشباب الذين لا يجرون على أسلوب الهراوي والزين والكاشف ومحرم ونسيم؛ فهم راضون ببراءة مصر من معرة التقليد ماضون كل المضي إلى التفوق والتميز من طريق الإنتاج والتنافس.

وسورية؟

وسورية التي تجعل من خمائلها ورباها وادي عبقر، وتدل بشعرائها المجددين في الوطن والمهجر، لا يرضيها أن تمر الزعامة بأراضيها إلى العراق دون أن تحيّ أو تلتفت على الأقل! فلقد هبت (العاصفة) تدافع رأي الدكتور في حدة وعنف، وتقول مع السيد نجار: ما للدكتور يرسل الزعامة إلى العراق في طيارة، وكان يكفيه أن يرسلها إلى صاحبها مطران في سيارة.؟

والعراق؟

والعراق هل اغتبط بهذه الزعامة؟ أما الرصافي فيرجو أن يكون خليفة لشوقي وحافظ ثم يسعه ما وسعهما من حُكم التاريخ وتقدير النقد. وأما الزهاوي فأنا اعلم إنه يؤثر أن يكون في ساقة المجددين على أن يكون في طليعة المقلدين. والظاهر أن شعراء العراق قد سرهم هذا التفضيل على علاته، ولكن ساءهم أن يوجه إلى شاعرين معينين. فقد نشر (أديب متقاعد) في جريدة الأخبار البغدادية فصلاً قيماً ينكر فيه استعمال الإمارة والدولة في لغة الشعر ويتساءل عمن جاد على شعراء مصر بهذه الألقاب، ويلاحظ بالحق حرص المصريين على الألقاب وزهد العراقيين بها. ويشكر للدكتور طه ترجيحه العراق على أية حال، ولكنه ينكر رأيه في تعيين جهة الزعامة، (لأنه رأي فرد بعيد عن العراق فلا يصح الاستناد إليه في حكم من الأحكام).

ثم تعصف النخوة في رأس الشاعر الشَاب محمد مهدي الجواهري فيرسل إضبارة كبيرة من شعره إلى الدكتور طه وكأنه يقول له: لو كنت قرأت هذا الشعر لما وجهت الزعامة إلى غير هذا الشاعر!

وإذن؟!

وإذن نستميح صديقنا الدكتور أن يدعها الآن فوضى حتى تسفر جهود الشباب عن عبقرية هذا الزعيم!. .

الجمال والحب

بتاريخ: 15 - 01 - 1933
مجلة الرسالة العدد 1
هل يشترط الجمال في المرأة لإثارة الحب؟

آراء طائفة من أعلام النساء والرجال

هل يجب أن تكون المرأة حسناء لكي تحب؟ هذا سؤال طرحته صحيفة نسوية فرنسية ظهرت حديثا هي (جريدة المرأة) وتقدمت بسؤالها الى جماعة من الأكابر ذوي الرأي والمكانة الاجتماعية، رجالا ونساء، وقد رأينا لطرافة هذا الاستفتاء، أن ننقل خلاصة ما أدلى به أولئك الكبراء في هذه المسألة النفسية الخطيرة.

الرأي النسوي

ونبدأ بما يراه الرأي النسوي في ذلك ممثلا في أقوال طائفة من شهيرات النساء.

قالت مدام دوسان الفنانة الباريزية الكبيرة التي تعد نموذجا من أبدع النماذج لجمال الفرنسية وسحرها، والتي تحمل أرفع أوسمة (الشرف) وتشغل في المجتمع الباريزي أرفع مقام:

(ماذا يعني أولا أن تكون امرأة حسناء؟ يوجد ألف شكل لتكون المرأة حسناء، وألف آخر لتكون جذابة، ومائة ألف أخرى لكي لا تكون قبيحة! والحسن ليس شرطاً فقط لكي تحب المرأة، ولكن يجب أن تكون المرأة حسناء لأسباب كثيرة أخرى، يجب أن تكون حسناء بالصدفة. ففي مدننا المروعة حيث تأبى الأشجار ذاتها الحياة، يغدو القوام النسوي الساحر آخر بهجة تقدمها الطبيعة للأعين. ويجب أن تحاول المرأة أن تكون حسناء، فتلك مدرسة بديعة للإرادة. صحيح أن المرأة الحسناء تكون أحيانا فوزاً مدهشاً للطبيعة، ولكنها أكثر ما تكون امرأة استطاعت أن تصلح زينتها وأن تصقل رواءها، أو بعبارة أخرى امرأة استطاعت أن تكون قاسية على نفسها. وقد نعتقد متى فاجأنا إحدى أولئك النسوة تنظر الى المرآة خلسة أنها تعجب بنفسها. وهذا خطأ كبير. فهي في الحقيقة تدرس نفسها، وتضبط نفسها بصرامة حفية، وتتقدم في تفهم وسائل الحسن. ولكنها لن تعترف بذلك مطلقا، ولها في ذلك كل الحق.

ولا يوجد حسنان متماثلين. فقد يكون الجمال هو وسامة الخلقة، ولكنه قد يكون أيضا بشرة وردية وشعراً أشقر، أو يكون نبرة الصوت. أو طريقة الابتسام، ولو دققنا البحث فمن ذ الذي لا يتمتع بلمحة من الجمال؟

على أنه يجب البحث وراء الجمال لاعتبارات صحية؛ والصحة من أنفس موارد الجمال. وواجب ألا يغرينا منظر الجمال السقيم، فهو كالأثواب الغريبة، قلما يتاح له النجاح. ولكن اضطرام الحياة، والتفاؤل، والحماسة وسائل محققة للاحتفاظ بصباحة الطلعة، وثبات القامة، ولمعان العين.

ولكن ماذا يجب لكي تحب المرأة! هذا هو لب السؤال. حقاً أن الحسن لا يضر، ولكنه ليس بذي عصمة، والجمال مثل المال، لا يحقق السعادة حتما. هذه المرأة الفتية النحيلة، ذات الجمال الخطر، التي تسحرك على لوحة السينما حيث يقتتل اثنان من اجلها، قد أرادت في الأسبوع الماضي أن تنتحر بالسم لأن الرجل الذي تحبه هجرها من اجل فتاة صغيرة من الرعاع لا ميزة لها الا أنها تحسن الطهي. ولكن تأمل أيضا هذه المرأة التي تسير جامدة دون تأنق، فأن لها زوجا يعبدها منذ عشرين سنة لأنها في نظره تجمع بين كل المحاسن. أن المسألة كلها حظوظ فقط.

ومع ذلك فيجب أن نجتهد في استكمال روائنا، وفي الظهور بديعات مشرقات، إذ أن ما نثير من اهتمام أو حماسة يشرق بدوره من حولنا. فنحن نعجب بجمال الممثلات، ولكن روح أدوارهن هو الذي يذكي هذا الجمال ويطيل اجله.

هل يجب أن تكون المرأة حسناء لكي تحب؟ أود أن أجيب أنه يجب أن تحب المرأة لكي تكون حسناء.)

وقالت مدام لوسي ديلاري مردروس الكاتبة والمثالة الشهيرة: (لست أعتقد أن الجمال شرط لإثارة الحب. فالجمال مسألة مفاجأة وظهور على المسرح. ونحن نعتاد النظر إليه كما نعتاد القبح، وهذا هو الخطر. ونحن نعرف الكلمة السائرة: أنها حسناء حتى لا ينقصها شيء. ولكن من سوء الطالع الا ينقص المرأة شيء، إذ يجب أن يمكن المرء من العناية والاختراع لأجل إنسان ما. فهذا التعاون من جانب ذلك الذي نحب ضروري جداً. والرجل يذكر دائما أن حواء قد خلقت من أحد أضلاعه. وإذن ففي بعض الأحوال قد تفوق جاذبية القبح جاذبية الجمال؛ فان محيا قبيحاً يثير الجزع والألم، ويحاول المرء أن يصلحه بلا انقطاع. وليس معنى ذلك أن المرأة يجب أن تكون قبيحة لكي تحب. ولكني اعتقد أن الحب لا تذكيه خلقة الشخص، ولكن يذكيه إلهامه، وكذلك دلالة محياه، فإن دلالة ساحرة أفضل من خلقة وسيمة.

وقالت مدام ماريز باستيه الطيارة الشهيرة:

(لست أعتقد أن الرجل يبحث عن الجمال في المرأة اكثر مما نبحث عنه نحن النساء في الرجل. ومن سوء الحظ أن يعرف الرجل أنه جميل وهذا ينطبق أيضا على بعض النساء الحسان. وعلى أي حال فان الحسان يظفرن بكثير من النجاح. فهل يحبهن الرجال أكثر من غيرهن؟ ولكن الأخريات أين هن؟ يخيل إلي أنه لا توجد ثمة وجوه قبيحة).

وقالت مدام جني وهي أخصائية شهيرة في شئون الجمال والزينة (أن ما يدهشني دائما هو ما ألاحظه من ضآلة الدور الذي يؤديه الجمال في الحب. فالرجل تغريه أشياء غير الجمال. ولست أستطيع أن أجد لذلك أي تفسير، فهنالك نساء مبتذلات ونسوة من أحط الرعاع، يرتكب من أجلهن رجال ممتازون أشنع ضروب الطيش. وإذن فلنقل مثل ما قالت كارمن: أن الحب لا يعرف أي قانون).!

رأي الرجل

واليك رأي الرجل في تلك المعضلة الاجتماعية الدقيقة. ممثلا فيما أدلى به أكابر الرجال:

قال الأستاذ هنري روبير عضو الأكاديمية الفرنسية ونقيب المحامين السابق:

(لا بأس أن تكون المرأة جميلة ولكن ذلك ليس ضرورياً وأني لأفضل مائة مرة امرأة ذكية طيبة القلب وليست عاطلة من الوسامة على امرأة وافرة الحسن ليس لها قلب ولا ذكاء.

أن المواهب العقلية في المرأة لها قيمة كبيرة. وللذكاء النسوي دقائق ندهش لها بحق. والنساء اللواتي يخلبننا هن أولئك اللاتي يستطعن أن يقلن شيئا، فهنالك شيء لا يمكن وصفه، وهو أوقع جداً في إثارة الحب من الجمال: ذلك هو السحر. وهنالك من ضروب السحر نوع لا أستطيع مقاومته، ذلك هو سحر الصوت. وبعد فما قيمة المبادئ في هذا الموضوع؟ أن الإنسان حيوان العادة، فإذا ما اعتاد شيئا فانه لا يعنى بالتحليل).

وقال نيكولا سيجور الكاتب الأشهر:

(ان الجمال مقر ملوكي للحب، والخفاء هو الذي يجعله ينفتح ظافراً مختاراً. والمرأة الحسناء هي قدس طبيعي، بل هي التنزيل الوحيد على الأرض.

وللجمال أهمية كبرى في إثارة الحب. وهو هبة أرفع من المواهب والعبقرية والفضيلة، إذ أن المرأة الحسناء يجتمع في شخصها كما يقول رينان، كل ما تستخلصه العبقرية بمشقة وفي لمحات ضئيلة.

ولهذا فان ظهور امرأة حسناء يضع الرجل أمام المعجزة وجها لوجه. ويثير في نفسه اضطرابات كتلك التي يعرضها هوميروس بأسلوبه الخالد حينما يصف اجتماع شيوخ طروادة على الأسوار وهم يلعنون المرأة الغريبة التي جاءت لتبث في مدينتهم بذور الخراب والموت. ولكن هيلانة ما كادت تظهر حتى نهض أولئك الذين يلعنونها مضطربين يقول بعضهم لبعض: أنه لحق أن نتحمل الضرر من أجل امرأة لها ذلك الحسن.

وفي باريس نعرف كما عرف اليونان الأقدمون، أن الجمال مقدس وانه لؤلؤة الخليقة، والصورة المادية الوحيدة لما نسميه المثل الأعلى.

على أن هنالك خواص عجيبة أخرى تحل محل الجمال، وتخلق الجمال لدى المرأة التي لم تحظ بقسامة الخلقة. ولا ريب أن السحر والظرف، والذكاء تجذب الرجل وتخضعه. وما تغنمه الحسناء توا بظهورها، تستطيع أن تغنمه أية امرأة أخرى بوسائل أخرى.

ويخيل إلى أن ما يأتي بعد الجمال، هو خصب الحياة، وانتعاش الملامح، وما يستشفه الرجل من الحساسية حلال المحيا. فهذه تؤثر فيه تأثيراً قوياً ناجعاً.)

وقال الدكتور شابا عضو المجمع العلمي ورئيس جمعية الفنانين:

(لا ريب أن الجمال يعاون كثيراً على إثارة مشاعر الحب. بيد أنه يوجد نساء غير حسان، ولكنهن اكثر جاذبية من الحسان. وللسحر خفاء لا يعلل، فان السحر الذي تبثه امرأة ما في نفس رجل ما. قد يقتصر أحيانا على هذا الرجل.

ولكل امرأة على الأقل لحظة من السحر. وهذه اللحظة قد تقرر مصير حياتها كله. ويحدث أحياناً أن نرى نساء هن نماذج الجمال باردات منكمشات، فإذا هن بقبس يسطع في العين، أو حركة في جانب الثغر، فيحدث ذلك تغييرا في المحيا. وهذه الحالة تقع كثيراً للفتيات المحدثات. وإذا من المهم أن نكتشف لديهن ما هو خاف عليهن وعلى ذويهن، وما قد يعود يوما عاملا في إثارة الحب الذي يثرنه).

قال الدوق ليفي ميربو المؤرخ الأشهر: (ليس الجمال شرطا لإثارة الحب. فإذا احب رجل امرأة وافرة الحسن، فهو غالباً آخر من يلاحظ جمالها، ولا ريب أنه يكون سعيداً بذلك، ولكن الجمال لم يكن أول ما أثار اضطرابه الأول. فالذي يثير ذلك هو الهام الحب، ذلك الإلهام الشهير الخالد. هو السحر الذي يتطور بتطور العصور. وليس وسامة الخلقة وانتظام التقاطيع. فان جوزفين بوهارنيه لم تكن وافرة الحسن، وكانت كليوباطرة (تلك المرأة الهائلة) اقل جمالا من أوكتافيوس).

الخميس، 18 يونيو 2020

سمو الحب*

صاح المنادي في موسم الحج: "لا يُفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح" وكذلك كان يفعل خلفاء بني أمية؛ يأمرون صائحهم في الموسم، أن يدل الناس على مفتي مكة وإمامها وعالمها، ليلقوه بمسائلهم في الدين، ثم ليمسك غيره عن الفتوى، إذ هو الحجة القاطعة لا ينبغي أن يكون معها غيرها مما يختلف عليها أو يعارضها، وليس للحجج إلا أن تظاهرها وتترادف على معناها.
وجلس عطاء يتحين الصلاة في المسجد الحرام، فوقف عليه رجل وقال: يا أبا محمد، أنت أفتيت كما قال الشاعر:
سل المفتي المكي: هل في تزاوروضمة مشتاق الفؤاد جُنَاح؟
فقال: معاذ الله أن يذهب التقى تلاصق أكباد بهن جراح!
فرفع الشيخ رأسه وقال: والله ما قلت شيئًا من هذا، ولكن الشاعر هو نحلني هذا الرأي الذي نفثه الشيطان على لسانه، وإني لأخاف أن تشيع القالة في الناس، فإذا كان غد وجلست في حلقتي فاغد علي، فإني قائل شيئًا.
وذهب الخبر يؤُجُّ كما تؤج النار، وتعالم الناس أن عطاء سيتكلم في الحب، وعجبوا كيف يدري الحب أو يحسن أن يقول فيه من غَبَر عشرين سنة فراشه المسجد، وقد سمع من عائشة أم المؤمنين، وأبي هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عباس بحر العلم.
وقال جماعة منهم: هذا رجل صامت أكثر وقته، وما تكلم إلا خيل إلى الناس أنه يُؤيَّد بمثل الوحي، فكأنما هو نجي ملائكة يسمع ويقول، فلعل السماء موحية إلى الأرض بلسانه وحيًا في هذه الضلالة التي عمت الناس وفتنتهم بالنساء والغناء.
ولما كان غد جاء الناس أرسالًا إلى المسجد، حتى اجتمع منهم الجمع الكثير. قال عبد الرحمن بن عبد الله أبي عمار: وكنت رجلًا شابًّا من فتيان المدينة، وفي نفسي ومن الدنيا ومن هوى الشباب، فغدوت مع الناس، وجئت وقد تكلم أبو محمد وأفاض، ولم أكن رأيته من قبل، فنظرت إليه فإذا هو في مجلسه كأنه غراب أسود، إذ كان ابن أمة سوداء تسمى "بركة" ورأيته مع سواده أعور أفطس أشل أعرج مفلفل الشعر، لا يتأمل المرء منه طائلًا، ولكنك تسمعه يتكلم فتظن منه ومن سواده -والله- أن هذه قطعة ليل تسطع فيها النجوم، وتصعد من حولها الملائكة وتنزل.
قال: وكان مجلسه في قصة يوسف عليه السلام، ووافقته وهو يتكلم في تأويل قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ}.
قال عبد الرحمن: فسمعت كلامًا قدسيًّا تضع له الملائكة أجنحتها من رضى وإعجاب بفقيه الحجاز .. حفظت منه قوله :
عجبًا للحب ! هذه ملكة تعشق فتاها الذي ابتاعه زوجها بثمن بخس؛ ولكن أين مُلكها وسطوة ملكها في تصوير الآية الكريمة؟ لم تزد الآية على أن قالت: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي} و{الَّتِي} هذه كلمة تدل على كل امرأة كائنة من كانت؛ فلم يبق على الحب مُلك ولا منزلة؛ وزالت الملكة من الأنثى!
وأعجب من هذا كلمة {وَرَاوَدَتْهُ} وهي بصيغتها المفردة حكاية طويلة تشير إلى أن هذه المرأة جعلت تعترض يوسف بألوان من أنوثتها, لون بعد لون؛ ذاهبة إلى فن، راجعة من فن؛ لأن الكلمة مأخوذة من رَوَدَان الإبل في مشيتها؛ تذهب وتجيء في رفق. وهذا يصور حيرة المرأة العاشقة، واضطرابها في حبها؛ ومحاولتها أن تنفذ إلى غايتها؛ كما يصور كبرياء الأنثى إذ تختال وتترفق في عرض ضعفها الطبيعي كأنما الكبرياء شيء آخر غير طبيعتها؛ فمهما تتهالك على من تحب وجب أن يكون لهذا "الشيء الآخر" مظهر امتناع أو مظهر تحير أو مظهر اضطراب، وإن كانت الطبيعة من وراء ذلك مندفعة ماضية مصممة.
ثم قال: {عَنْ نَفْسِهِ} ليدل على أنها لا تطمع فيه، ولكن في طبيعته البشرية، فهي تعرض ما تعرض لهذه الطبيعة وحدها، وكأن الآية مصرحة في أدب سام كل السمو، منزه غاية التنزيه بما معناه: "إن المرأة بذلت كل ما تستطيع في إغرائه وتصبنيه، مقبلة عليه ومتدللة ومتبذلة ومنصبة من كل جهة، بما في جسمها وجمالها على طبيعته البشرية، وعارضة كل ذلك عرض امرأة خلعت -أول ما خلعت- أمام عينيه ثوب الملك"
ثم قال : 
{ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ } 
ولم يقل " أغلقت" وهذا يشعر أنها لما يئست ، ورأت منه محاولة الانصراف ، أسرعت في ثورة نفسها مهتاجة تتخيل القفل الواحد أقفالًا عدة ، وتجري من باب إلى باب، وتضطرب يدها في الأغلاق، كأنما تحاول سد الأبواب لا إغلاقها فقط.
{وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} 
ومعناها في هذا الموقف أن اليأس قد دفع بهذه المرأة إلى آخر حدوده, فانتهت إلى حالة من الجنون بفكرتها الشهوانية، ولم تعد لا ملكة ولا امرأة، بل أنوثة حيوانية صرفة، متكشفة مصرحة، كما تكون أنثى الحيوان في أشد اهتياجها وغليانها.
هذه ثلاثة أطوار يترقى بعضها من بعض، وفيها طبيعة الأنوثة نازلة من أعلاها إلى أسفلها. فإذا انتهت المرأة إلى نهايتها ولم يبق وراء ذلك شيء تستطيعه أو تعرضه بدأت من ثم عظمة الرجولة السامية المتمكنة في معانيها، فقال يوسف : 
{مَعَاذَ اللَّهِ} 
ثم قال : 
{إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [يوسف: 23] ثم قال : {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23]. وهذه أسمى طريقة إلى تنبيه ضمير المرأة في المرأة، إذ كان أساس ضميرها في كل عصر هو اليقين بالله، ومعرفة الجميل، وكراهة الظلم. ولكن هذا التنبيه المترادف ثلاث مرات لم يكسر من نزوتها، ولم يَفْثَأ تلك الحدة، فإن حبها كان قد انحصر في فكرة واحدة اجتمعت بكل أسبابها في زمن, في مكان, في رجل. فهي فكرة محتبسة كأن الأبواب مغلقة عليها أيضًا؛ ولذا بقيت المرأة ثائرة ثورة نفسها. وهنا يعود الأدب الإلهي السامي إلى تعبيره المعجز فيقول : 
{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} [يوسف: 24] كأنما يومئ بهذه العبارة إلى أنها ترامت عليه، وتعلقت به، والتجأت إلى وسيلتها الأخيرة، وهي لمس الطبيعة بالطبيعة لإلقاء الجمرة في الهشيم!
جاءت العاشقة في قضيتها ببرهان الشيطان يقذف به في آخر محاولته. وهنا يقع ليوسف -عليه السلام- برهان ربه كما وقع لها هي برهان شيطانها. فلولا برهان ربه لكان رجلًا من البشر في ضعفه الطبيعي.
قال أبو محمد : 
وههنا ههنا المعجزة الكبرى؛ لأن الآية الكريمة تريد ألا تنفي عن يوسف -عليه السلام- فحولة الرجولة، حتى لا يُظَن به، ثم هي تريد من ذلك أن يتعلم الرجال، وخاصة الشبان منهم، كيف يتسامون بهذه الرجولة فوق الشهوات، حتى في الحالة التي هي نهاية قدرة الطبيعة؛ حالة ملكة مطاعة فاتنة عاشقة مختلية متعرضة متكشفة متهالكة. هنا لا ينبغي أن ييأس الرجل، فإن الوسيلة التي تجعله لا يرى شيئًا من هذا, هي أن يرى برهان ربه.
وهذا البرهان يؤوله كل إنسان بما شاء، فهو كالمفتاح الذي يوضع في الأقفال كلها فيفُضها كلها؛ فإذا مثل الرجل لنفسه في تلك الساعة أنه هو وهذه المرأة منتصبان أمام الله يراهما، وأن أماني القلب التي تهجس فيه ويظنها خافية إنما هي صوت عالٍ يسمعه الله؛ وإذا تذكر أنه سيموت ويقبر، وفكر فيما يصنع الثرى في جسمه هذا, أو فكر في موقفه يوم تشهد عليه أعضاؤه بما كان يعمل, أو فكر في أن هذا الإثم الذي يقترفه الآن سيكون مرجعه عليه في أخته أو بنته, إذا فكر في هذا ونحوه رأى برهان ربه يطالعه فجأة، كما يكون السائر في الطريق غافلًا مندفعًا إلى هاوية، ثم ينظر فجأة فيرى برهان عينه؛ أترونه يتردى في الهاوية حينئذ، أم يقف دونها وينجو؟ احفظوا هذه الكلمة الواحدة التي فيها أكثر الكلام, وأكثر الموعظة، وأكثر التربية، والتي هي كالدرع في المعركة بين الرجل والمرأة والشيطان، كلمة 
{ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ }
قال عبد الرحمن بن عبد الله وهو يتحدث إلى صاحبه سهيل بن عبد الرحمن : 
ولزمتُ الإمام بعد ذلك، وأجمعتُ أن أتشبه به، وأسلك في طريقه من الزهد والمعرفة؛ ثم رجعت إلى المدينة وقد حفظتُ الرجل في نفسي كما أحفظ الكلام، وجعلت شعاري في كل نزعة من نزعات النفس هذه الكلمة العظيمة : 
{ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } [يوسف: 24] 
فما ألممت بإثم قط، ولا دانيت معصية، ولا رَهِقني مطلب من مطالب النفس إلى يوم الناس هذا، وأرجو أن يعصمني الله فيما بقي، فإن هذه الكلمة ليست كلمة، وإنما هي كأمر من السماء تحمله، تمر به آمنًا على كل معاصي الأرض، فما يعترضك شيء منها، كأن معك خاتم المَلِك تجوز به.
قال سهيل : 
فلهذا لقبك أهل المدينة "بالقس" لعبادتك وزهدك وعزوفك عن النساء، وقليل لك -والله- يا أبا عبد الله، فلو قالوا : 
ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك، لصدقوا.
قالت سَلَّامة جارية سهيل بن عبد الرحمن المغنية، الحاذقة الظريفة، الجميلة الفاتنة، الشاعرة القارئة، المؤرخة المتحدثة، التي لم يجتمع في امرأة مثلها حسن وجهها، وحسن غنائها، وحسن شعرها, قالت : واشتراني أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك بعشرين ألف دينار "عشرة آلاف جنيه" وكان يقول : 
ما يقر عيني ما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة؛ ثم قال حين ملكني : 
ما شاء بعدُ من أمر الدنيا فليفتني! قالت : 
فلما عُرضتُ عليه أمرني أن أغنيه، وكنت كالمخبولة من حب عبد الرحمن القس، حبًّا أراه فالقًا كبدي، آتيًا على حشاشتي. فذهب عني والله كل ما أحفظه من أصوات الغناء، كما يمسح اللوح مما كُتب فيه، وأنسيت الخليفة وأنا بين يديه، ولم أر إلا عبدالرحمن ومجلسه مني يوم سألني أن أغنيه بشعره فيَّ، وقولي له يومئذ : 
حبًّا وكرامة وعزاة لوجهك الجميل. وتناولت العود وجسسته بقلبي قبل يدي، وضربتُ عليه كأني أضرب لعبد الرحمن، بيد أرى فيها عقلًا يحتال حيلة امرأة عاشقة. ثم اندفعت أغني بشعر حبيبي :
إن التي طرقتك بين ركائبتمشي بمِزْهرها وأنت حرام
لتصيد قلبك، أو جزاء مودةإن الرفيق له عليك ذمام
باتت تعللنا وتحسب أننا في ذاك أيقاظ، ونحن نيام
وغنيته والله غناء والهة ذاهبة العقل كاسفة البال، ورددته كما رددته لعبد الرحمن، وأنا إذ ذاك بين يديه كالوردة أول ما تتفتح. وأنا أنظر إليه وأتبين لصوتي في مسمعيه صوتًا آخر. وقطعته ذلك التقطيع، ومددته ذلك التمديد، وصحت فيه صيحة قلبي وجوارحي كلها كما غنيت عبد الرحمن لكيما أؤدي إلى قلبه المعنى الذي في اللفظ والمعنى الذي في النفس جميعًا، ولكيما أسكره -وهو الزاهد العابد- سكر الخمر بشيء غير الخمر !
وما أفقت من هذه إلا حين قطعت الصوت، فإذا الخليفة كأنما يسمع من قلبي لا من فمي وقد زلزله الطرب، وما خفي علي أنه رجل قد ألم بشأن امرأة، وخشيت أن أكون قد افتضحت عنده؛ ولكن غلبته شهوته، وكان جسدًا بما فيه يريد جسدًا لما فيه، فمن ثم لم ينكر ولم يتغير ..
واشتراني وصرت إليه، فلما خلونا سألني أن أغني, فلم أشعر إلا وأنا أغنيه بشعر عبد الرحمن:
ألا قل لهذا القلب: هل أنت مبصروهل أنت عن سلامة اليوم مقصر إذا أخذت في الصوت كاد جليسهايطير إليها قلبه حين تنظر
وأديته على ما كان يستحسنه عبد الرحمن ويطرب له، إذ يسمع فيه همسًا من بكائي، ولهفة مما أجد به، وحسرة على أنه ينسكب في قلبي وهو يصد عني ويتحاماني، وما غنيت: "وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر" إلا في صوت تنوح به سلامة على نفسها, وتندب وتتفجع!
فقال لي يزيد وقد فضحت نفسي عنده فضيحة مكشوفة: يا حبيبتي, من قائل هذا الشعر؟
قلت: أحدثك بالقصة يا أمير المؤمنين؟
قال: حدثيني.
قلت: هو عبد الرحمن بن أبي عمار الذي يلقبونه بالقس لعبادته ونسكه، وهو في المدينة يشبه عطاء بن أبي رباح، وكان صديقًا لمولاي سهيل، فمر بدارنا يومًا وأنا أغني فوقف يسمع، ودخل علينا "الأحوص"1، فقال: ويحكم! لكأن الملائكة والله تتلو مزاميرها بحلق سلامة، فهذا عبد الرحمن القس قد شُغل بما يسمع منها، وهو واقف خارج الدار، فتسارع مولاي فخرج إليه ودعاه إلى أن يدخل فيسمع مني، فأبى! فقال له: أما علمت أن عبد الله بن جعفر، وهو من هو في محله وبيته وعلمه قد مشى إلى جميلة أستاذة سلامة حين علم أنها آلت ألِيَّة ألا تغني أحدًا إلا في منزلها؛ فجاءها فسمع منها، وقد هيأت له مجلسها، وجعلت على رءوس جواريها شعورًا مسدلة كالعناقيد، وألبستهن أنواع الثياب المصبغة، ووضعت فوق الشعور التيجان، وزينتهن بأنواع الحلى، وقامت هي على رأسه، وقام الجواري صفين بين يديه، حتى أقسم عليها فجلست غير بعيد، وأمرت الجواري فجلسن، ومع كل جارية عودها؛ ثم ضربن جميعًا وغنت عليهن، وغنى الجواري على غنائها، فقال عبد الله: ما ظننت أن مثل هذا يكون!
وأنا أُقعدك في مكان تسمع من سلامة ولا تراها، إن كنتَ عند نفسك بالمنزلة التي لم يبلغها عبد الله بن جعفر!
قالت سلامة: وكانت هذه والله -يا أمير المؤمنين- رقية من رقى إبليس؛ فقال عبد الرحمن: أما هذا فنعم. ودخل الدار وجلس حيث يسمع، ثم أمرني مولاي فخرجت إليه خروج القمر مشبوبًا من سحابه كانت تغطيه؛ فأما هو فما رآني حتى علقت بقلبه، وسبح طويلًا طويلًا؛ وأما أنا فما رأيته حتى رأيت الجنة والملائكة، ومُتُّ عن الدنيا وانتقلت إليه وحده.
قالت سلامة: وافتضحت مرة أخرى، فتنحنح يزيد, فضحكت وقلت: يا أمير المؤمنين، أحدثك أم حسبك؟ قال: حدثيني ويحك! فوالله لو كنتِ في الجنة كما أنتِ لأعدتِ قصة آدم مع واحد واحد من أهلها حتى يُطردوا جميعًا من حسنها إلى حسنك! فما فعل القس ويحك؟
قلت: يا أمير المؤمنين، إنه يدعى القس قبل أن يهواني.
فقال يزيد: وهل عجب وقد فتنته أن يطرده "البطريق"؟
قلت: بل العجب وقد فتنتُه أن يصير هو البطريق!
فضحك يزيد وقال: إيه، ما أحسب الرجل إلا قد دهي منك بداهية! فحدثيني فقد رفعت الغيرة؛ إني والله ما أرى هذا الرجل في أمره وأمرك إلا كالفحل من الإبل، قد تُرك من الركوب والعمل، ونعم وسمن للفحلة فَنَدَّ يومًا, فذهب على وجهه، فأقحم في مفازة، وأصاب مَرْتَعًا فتوحش واستأسد، وتبين عليه أثر وحشيته، وأقبل قبال الجن من قوة ونشاط ويأس شديد؛ فلما طال انفراده وتأبده عرضت له في البر ناقة كانت قد ندت من عَطنها، وكانت فارهة جسيمة قد انتهت سمنًا، وغطاها الشحم واللحم، فرآها البازل الصئول، فهاج وصال وهدر، يخبط بيده ورجله، ويُسمَع لجوفه دَوِيّ من الغليان، وإذا هي قد ألقت نفسها بين يديه!
أما والله لو جعل الشيطان في يمينه رجلًا فحلًا قويًّا جميلًا، وفي شماله امرأة جميلة عاشقة تهواه؛ ثم تمطى متدافعًا ومد ذراعيه فابتعدا؛ ثم تراجع متداخلًا وضم ذراعيه فالتقيا؛ لكان هذا شأن ما بينك وبين القس!
قلت: لا والله يا أمير المؤمنين؛ ما كان صاحبي في الرجال خَلًّا ولا خمرًا، وما كان الفحل إلا الناقة! وما أحسب الشيطان يعرف هذا الرجل، وهل كان للشيطان عمل مع رجل يقول: إني أعرف دائمًا فكرتي وهي دائمًا فكرتي لا تتغير. ذاك رجل أساسه كما يقول: {بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] ولقد تصنعتُ له مرة يا أمير المؤمنين، وتشكلت وتحليت وتبرجت، وحدثت نفسي منه بكثير، وقلت: إنه رجل قد غبر شبابه في وجود فارغ من المرأة، ثم وجد المرأة فيَّ وحدي. وغنيته يا أمير المؤمنين غناء جوارحي كلها، وكنت له كأني خرير ناعم يترجرج ويُنشَر
أمامه ويطوى. وجلست كالنائمة في فراشها وقد خلا المجلس، وكنت من كل ذلك بين يديه كالفاكهة الناضجة الحلوة تقول لمن يراها: "كلني!".
قال يزيد: ويحك ويحك! وبعد هذا؟
قلت: بعد هذا يا أمير المؤمنين، وهو يهواني الهوى البَرْح، ويعشقني العشق المصني, لم ير في جمالي وفتنتي واستسلامي إلا أن الشيطان قد جاء يرشوه بالذهب الذي يتعامل به!
فضحك يزيد وقال: لا والله، لقد عرض الشيطان منك ذهبه ولؤلؤه وجواهره كلها، فكيف لعمري لم يفلح؛ وهو لو رشاني من هذا كله بدرهم لوجد أمير المؤمنين شاهد زور!
قلت: ولكني لم أيأس يا أمير المؤمنين، وقد أردت أن أظهر امرأة فلم أفلح، وعملت أن أظهر شيطانة فانخذلت, وجهدت أن يرى طبيعتي فلم يرني إلا بغير طبيعة, وكلما حاولت أن أنزل به عن سكينته ووقاره رأيت في عينيه ما لا يتغير كنور النجم, وكانت بعض نظراته والله كأنها عصا المؤدب، وكأنه يرى في جمالي حقيقة من العبادة، ويرى في جسمي خرافة الصنم، فهو مقبل علي جميلة، ولكنه منصرف عني امرأة.
لم أيأس على كل ذلك يا أمير المؤمنين، فإن أول الحب يطلب آخره أبدًا إلى أن يموت. وكان يكثر من زيارتي، بل كانت إلي الغدوة والروحة، من حبه إياي وتعلقه بي؛ فواعدته يومًا أن يجيء مني وأرى الليل أهله لأغنيه: "ألا قل لهذا القلب..." وكنت لحنته ولم يسمعه بعد. ولبثت نهاري كله أستروح في الهواء رائحة هذا الرجل مما أتلهف عليه، وأتمثل ظلام الليل كالطريق الممتد إلى شيء مخبوء أعلل النفس به. وبلغت ما أقدر عليه في زينة نفسي وإصلاح شأني، وتشكلت في صنوف من الزهر، وقلت لأجملهن وهي الوردة التي وضعتها بين نهديَّ: يا أختي، اجذبي عينه إليك، حتى إذا وقف نظره عليكِ فانزلي به قليلًا أو اصعدي به قليلًا.
قال يزيد وهو كالمحموم: ثم ثم ثم؟
قلت: يا أمير المؤمنين، ثم جاء مع الليل، وإن المجلس لخالٍ ما فيه غيري وغيره، بما أكابد منه وما يعاني منه فغنيته أحر غناء وأشجاه، وكان العاشق فيه يطرب لصوتي، ثم يطرب الزاهد فيه من أنه استطاع أن يطرب، كما يطيش الطفل ساعة ينطلق من حبس المؤدب.
وما كان يسوءني إلا أنه يمارس في الزهد ممارسة، كأنما أنا صعوبة إنسانية فهو يريد أن يغلبها، وهو يجرب قوى نفسه وطبيعته عليها؛ أو كأنه يراني خيال امرأة في مرآة، لا امرأة مائلة له بهواها وشبابها وحسنها وفتنتها، أو أنا عنده كالحورية من حور الجنة في خيال من هي ثوابه، تكون معه، وإن بينها وبينه من البعد ما بين الدنيا والآخرة، فأجمعتُ أن أحطم المرآة ليراني أنا نفسي لا خيالي، واستنجدت كل فتنتي أن تجعله يفر إلي كلما حاول أن يفر مني.
فلما ظننتُني ملأت عينيه وأذنيه ونفسه وانصببت إليه من كل جوارحه، وهجت التيار الذي في دمه ودفعته دفعًا, قلت له: "أنت يا خليلي شيء لا يُعرف، أنت شيء متلفف بإنسان، ومن التي تعشق ثوب رجل ليس فيه لابسه؟".
ورأيته والله يطوف عند ذلك بفكره، كما أطوف أنا بفكري حول المعنى الذي أردته. فملت إليه وقلت1: "أنا والله أحبك!".
فقال: "وأنا والله الذي لا إله إلا هو".
قلت: "وأشتهي أن أعانقك وأقبلك!".
قال: "وأنا والله!".
قلت: "فما يمنعك؟ فوالله إن الموضع لخالٍ!".
قال: "يمنعني قول الله عز وجل: {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] فأكره أن تحول مودتي لك عداوة يوم القيامة".
إني أرى {بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] يا حبيبتي، وهو يمنعني أن أكون من سيئاتك وأن تكوني من سيئاتي، ولو أحببت الأنثى لوجدتك في كل أنثى، ولكني أحب ما فيك أنت بخاصتك، وهو الذي لا أعرفه ولا أنت تعرفينه، هو معناك يا سلامة لا شخصك.
ثم قال وهو يبكي، فما عاد بعد ذلك يا أمير المؤمنين ما عاد بعد ذلك، وترك لي ندامتي وكلام دموعه؟ وليتني لم أفعل، ليتني لم أفعل، فقد رأى أن المرأة -في بعض حالاتها- تكشف وجهها للرجل، وكأنها لم تلق حجابها بل ألقت ثيابها.

*"وحي القلم" 
مصطفى صادق الرافعي

الاثنين، 1 يونيو 2020

صناعة الدهشة


صناعة الدهشة..
كلما ظهر ابتكار جديد في اﻷسواق العالمية وسمع به قومنا عقدوا العزم على اقتنائه وإذا وصل إليهم بادروا إليه وقد أسروا في أنفسهم "هل يراكم من أحد" ثم تراهم يقفون في طوابير طويلة يسعى كل واحد منهم جاهدا أن ينال قصب السبق في امتلاكه ..حينها ينقسم المجتمع إلى فئتين:
فئة تتفكر في ذلك اﻻبتكار أو ما جد فيه من جديد وتتعجب وتندهش قليلا ثم تنسى..
وفئة ﻻ يعنيها التفكر وﻻ يخطر لها التعجب واﻻندهاش على بال ..
الفئة اﻷولى كادت أن تنشط مداركها وتتفتح ولكنها نكست على رؤوسها وعادت سيرتها اﻷولى كمستهلك يتعبه التفكير وﻻ وقت لديه يضيعه في الدهشة..
والفئة الثانية قد ران على قلوبها اﻻستهلاك وختم على سمعها والبصر فهي أشد انغماسا فيه ..
ولكن ما أحوجنا إلى فئة ثالثة تفعل الدهشة وتصنعها فاﻻندهاش دونما إدراك لما وراء الدهشة و عدم محاولة سبر أغوارها وفك طﻻسمها هوفعل سلبي ﻻ يأتي بخير..أما فعل الدهشة فهو أن تتفكر وتتدبر وترسل بصرك إلى البعيد وتزوي مابين حاجبيك وتحاول قدر المستطاع استمطار اﻷسئلة وطرحها ثم تفكيكها لتكون عرضة للإلهام حيث تتفتق اﻷفكار وتزول عنها الحجب..
إن من يفعلون الدهشة ويصنعونها ليسوا من كوكب آخر غير كوكبنا الذي نعيش فيه..؟!
فمتى نصنع نحن الدهشة ونبهر بها اﻵخر كما ابهرنا هو بصناعتها فادهشنا..؟!
حتما لم نخلق للاندهاش فقط وإنما خلقنا للتفكر إما لنؤمن باقتناع وإما لنبدع بإتقان فمن المؤكد أن لدينا العقول ولدينا اﻹمكانات التي غالبا ﻻ يفرج عنها فيحال بينها وبين من يريد استثمارها والتي قد ﻻ تتوفر عند غيرنا بل قد تكون عنده أمنيات حالمة يتمناها فﻻ يجدها..!!
إذن ما الذي ينقصنا..؟!
في اعتقادي إن أهم ماينقصنا الحرية..الحرية السياسية تحديدا فغيابها يضع العراقيل أمام تقدمنا ويحرمنا من مواكبة العصر الحاضر ويحيد بنا عن ركبه فاﻷنظمة في عالمنا العربي تتدخل في كل شيء حتى بتنا نخشى أن يزين لها وسواسها الخناس فيحرضها لترتب لنا كيف تكون أوضاعنا في غرف النوم حسب رؤيتها ومزاجها و بجدول معتمد منها..
إنها تخشانا وتخشى إبداعنا الفكري والصناعي وتخشى أن نظهر في اﻷرض الفساد كما قال فرعون وتوارث قوله كل الفراعنة من بعده..والفساد في مفهوم الفراعنة الجدد هو كل ما من شأنه مناهضة مصالحهم الخاصة.. إذن فهناك انفصام واضح بيننا وبين السلطات التي تحكمنا فهي لم تعي من السياسة غير"فرق تسد" و "جوع كلبك يتبعك" مع اﻹعتذار لشعوبنا العربية البائسة..بالله كيف يتسنى للإنسان العربي أن يبدع وهو في نظر كثير من أنظمته مجرد " كلب " أجاركم الله وجائع أيضا أو باﻷحرى مجوع.. متعب منهك مهلهل اﻷوصال ﻻ وقت لديه للتفكير ..كيف له أن يبدع ويصنع الدهشة فيدهش وهو يسابق الزمن في صراع مرير للحصول على كسرة خبز يقيم بها أوده وحيث ﻻ استقرار وﻻ هدوء وﻻ أمان إﻻ سويعات يرتاح فيها قليلا ويرمم ماانهدم من جسده ليدور بعدها - في معترك الحياة- دوران الساقية والرحى.. ناهيك عن بقية اﻷحمال واﻷثقال التي ينوء بها كاهله و التي من كثرتها يصعب عدها وحصرها.. علاوة على الجوع الثقافي الذي فرضه المنع والحجب والحصار ..
عقل خاو وجسد منهك..جهل ومرض وجوع وكل ذلك نتاج ثمرة الغياب..غياب الحرية..
فالدهشة ﻻ تزدهر إﻻ في مناخ استوائي يمطر حرية طوال العام..
لقد أشغلوك ياسيدي المواطن بالجوع والتشرد في اﻷنحاء واﻷرجاء تبحث عن لقمة عيش ووطن تسكن إليه لتخرج مهاجرا مقهورا أو لتبقى داجنا ﻻتخطر لك الحرية على بال وكلما سألك أحد :
كيف الحال..؟
أجبت ببراءة ساذجة وكأنك حيوان في مزرعة السيد:
"في خير حال.. آكل وأشرب.."
وهل يفعل الحيوان ياسيدي غير ذلك..؟!
وإن تفضلوا عليك بنظرة فتوسموا فيك شيئا من إبداع أو آنسو منك نشاطا وحيوية وضعوا لك عصا اﻹغراء في عجلة حيويتك ونشاطك فأغرقوك في بحار اللذة وحبسوك في جناتها وأغدغوا عليك من أطايب ثمارها فسكرت حتى الثمالة وفقدت الوعي بما حولك وأصبحت بوقا لمن تظنه قد أنعم عليك فتسبح بحمده واصلا ليلك بنهارك تحسب أنك - من فرط سكرتك - ترفل في جنة عرضها السموات واﻷرض و ما علمت أن العالم يمور من حولك بالصحو والنشاط يسعى ليجدد يومه بالخلق واﻹبداع واﻻبتكار وأنت سادر في غفلتك..لذا ستظل مندهشا ياسيدي الموطن ولن تفعل الدهشة أو تصنعها ماداموا فيها قاعدين

فؤاد أم موسى


فؤاد أم موسى...



من بعيد كان هناك خيال امرأة ..
كانت نافذة الفصل مفتوحة في مدرسة " الخزاعي" اﻻبتدائية..وكان التﻻميذ مشغولين ببعض اﻷنشطة التحريرية وكنت أقف أمام النافذة المفتوحة..كان الشارع الطويل ساكنا في هدأة الضحى يتنفس نسائم رقيقة عبقة تضوع من ثناياها رائحة المطر..
اﻷصوات خافتة والشارع يشكو من قلة رواده والدكاكين المفتوحة على جانبيه تستجدي تحية ولو كانت عجلى من زبون مار..
لما أصبح الخيال في مجال النظر واتضحت معالمه ..ظهرت امرأة عجوز تتهادى.. تتوكأ عصا تأن تحت ضغط يديها فترفعها في الهواء بين حين وحين كأنما تريحها شفقة بها
من وعثاء الطريق..
تساقطت قطرات المطر وتناثرت حباته كاللؤلؤ المنثور ..كالدرر ..وراحت تنقر نوافذ الفصل في لحن بهيج مسكون بالفرح..فرح البشرى بلقاء غائب طال انتظاره كثير ما يمارس الغياب ونادرا ما يفكر باﻹياب ويسعف اﻷحباب بزيارة تبل الصدى وتطفيء لهيب اﻷشواق..
تقافز التﻻميذ دون استئذان وتعلقوا بالنوافذ ليشهدوا ميﻻد حبيب قلما يجود بوصل في نهارات يتسيدها الجفاف والهجير..وأنشدوا دون وعي وقد أسكرهم الفرح:
(يامطره حطي..حطي) كأنما يستعجلونه و يحثونه على النزول ضيفا على مرابعهم التي ما فتئت تحن إلى مقدمه..!!
كانت العجوز حينها في محاذاة الفصل بالتحديد وفجأة توقفت أمامه ورفعت رأسها وتوجهت بوجهها نحوه وجعلته قبلتها بحركة العارف لمايفعل وصوبت النظر إليه ثم رفعت اكف الضراعة إلى السماء دون أن تلقي باﻻ لشدة انهمار المطر الذي راح يبلل عباءتها بخطوط متناثرة متعرجة تنحدر إلى من اﻷعلى إلى اﻷسفل..
كانت الدعوات ترتفع منها بإلحاح عجيب..إلحاح من تيقن من الوصول ومن ثم اﻹجابه..كانت تحرك يديها إلى اﻷعلى وكأنما هي بحركتها تلك تدفع الدعوات بقوة نحو السماء وقد اغتسلت كلماتها بماء المطر ذلك الماء الطاهر المبارك...
عجبت مما أرى ولم يطل عجبي كثيرا فقد جاءني الجواب سريعا عندما صاح غير واحد من التﻻميذ :
إنها أم موسى..موسى نداو
سألت: من موسى نداو..؟!
كان اﻷسم ليس غريبا..كان متداوﻻ بقوة في تلك اﻷيام..ضحكت وفي عيني حيرة تبحث عن مخرج..أشار أحدهم - وكأنه أحس بحيرتي فبددها بإشارته - إلى تلميذ أسمر كان يتحرك بعفوية مشاركا أقرانه تحية المطر..:
هذا هو موسى نداو..
قلت ولكن ليس هذا اسمه..!!
قال: أجل .. نحن من أسميناه موسى نداو ﻷنه يشبه تماما ﻻعب فريق "الهﻻل" "موسى نداو"..
لم يخطيء التﻻميذ كثيرا في تسميتهم لزميلهم باسم الﻻعب فقد كان الشبه كبيرا في اللون والمﻻمح والحركات أيضا..
في تلك الفترة من الزمن لمع نجم الﻻعب "موسى نداو" كﻻعب أفريقي محترف في صفوف نادي الهﻻل..ونال إعجاب الجماهير بإجادته لتنفيذ الكرات الثابتة وتصويبهابدقة متناهية لتلج في اﻷغلب مرمى الخصوم وتعانق الشباك محدثة هزة فرح في قلوب مشجعي الفريق وأنصاره..
لم يكن فؤاد أم موسى فارغا فقد كان مليئا مترعا بالحب والحنان..وقوفها تحت المطر ﻻيقفه إنسان خال من المشاعر..لقد اشتعل الدعاء نارا بين كفيها فغابت فيه وقد فقدت اﻻحساس بماحولها بعد اتصالها بعالم الروح فكانت تلك النار بردا و سﻻما على قلبها ولم تنطفيء شعلة الدعاء المتصاعد رغم غزارة نزول المطر ..!!
ظلت أم موسى تدعو حتى اطمئنت وﻻمس برد القبول شغاف قلبها ثم مضت في طريقها ﻻ تلوي على شيء...
قال التﻻميذ:إنها تفعل ذلك كلما مرت من أمام المدرسة وهي في طريقها لقضاء بعض شؤونها..
إنها تدعو لموسى بالتوفيق والسداد وتنثر حوله بركات قلب محب يرجو له الخير كله..بورك موسى وبورك من حول موسى..فقد ينالهم شيئا من بركات دعاء أم موسى..!!
عجبت حين علمت من أحد التﻻميذ بأنها لم تكن أمه..وأنه فقد كل أسرته وهو في الثالثة من عمره في حادث أليم لم ينجو منه أﻻ هو فكانت المرأة العجوز هي اﻷم الرؤوم و الحجر الدافئ الذي تربى فيه ..ترعرع وعاش موسى في كنف دعائها وتحت مظلة عطفهاوحنانها..
كانت شجرة وارفة الظﻻل أظلته من لهيب الفقد وبلسما داوى جراح مأساته فلم يعرف أما غيرها بعد أن غابت مﻻمح أمه وتوارت عن مخيلته الصغيرة..
عجبت أنها لم تكن أمه ولم ينقض عجبي..عجبت من تدفق الرحمة من قلبها كجدول رقراق يسبح فيه موسى وحيدا دون سواه مكلﻻ بالرعاية والعناية..!!
ثم عجبت أكثر من نفسي.. كيف ياترى لم ألحظ سن المرأة وعجزها...؟!!
سﻻم على أم موسى في الطيبين الراحمين
وسﻻم على فؤادها المتيم بحب 

دع الغل..


دع " الغل " وابدأ حياة جديدة...
ﻻتفعل شيئا نكاية بأحد حتى لو تأكدت وتيقنت بأنه لن يضره..لن ينجح ذلك الشيء..لن يفلح مهما حاولت..دع الغل وأبدا حياة جديدة و ليس العبارة الشهيرة( دع القلق)..فمن أين يأتيك القلق واﻻكتئاب إن لم يكن بك غل على أحد.. أقلب قاموس حياتك رأسا على عقب وهزه هزا طويﻻ متواصﻻ حتى تسقط منه كل مفردات الغل ومرادفات التشفي ليصبح قاموسا صافيا نقيا من الشوائب طاهرا من الرجس والدنس تستطيع منه ان تتوضأ وبه تصلي..!!
أعرف ان للغل والنكاية لذة قاهرة.. لذة ﻻ تعدلها لذة ولكن حتما سيأتيك في الليل مرها فيقتات على راحتك و يسهر معك حتى الصباح ..واعلم إنما هي لذة عابرة مهما حاولنا
إطالتها بالتكرار وبمكر الليل والنهار...
سﻻمك أنت وأمنك ﻻ يغني عنه سﻻم العالم وأمنه..
استمع معي هنا لقول من خلق النفس البشرية وهو من سواها وعرف أدق أسرارها و علم أخفى سرائرها :
( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(45)ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ(46)وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(47)لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ(48).)"سورة الحجر""
يقول سيد قطب رحمه الله عن اﻵية القرآنية السابقة في لفتة إيمانية صادقة من كتابه(في ظﻻل القرآن ) " إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض و لا تحويلهم خلقا آخر ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا و بأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها و لكنه يعالجها فقط لتخف حدتها ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله وهل الإيمان إلا الحب والبغض ولكنهم في الجنة وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم و لا تكون إلا الأخوة الصافية الودود إنها درجة أهل الجنة فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض فليستبشر بأنه من أهلها مادام ذلك وهو مؤمن فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال" واستمع معي لقول الرسول اﻷعظم صلى الله عليه وسلم إذ يقول:
( ألا أنبئكم بشراركم ) . قالوا : بلى إن شئت يا رسول الله . قال : ( إن شراركم الذي ينزل وحده ويجلد عبده ويمنع رفده ، أفلا أنبئكم بشر من ذلك )؟ قالوا : بلى إن شئت يا رسول الله . قال ( من يبغض الناس ويبغضونه ، أفلا أنبئكم بشر من ذلك )؟ قالوا : بلى إن شئت يا رسول الله قال : ( الذين لا يقيلون عثرة ولا يقبلون معذرة ولا يغفرون ذنبا ، أفلا أنبئكم بشر من ذلك )؟ قالوا : بلى إن شئت يا رسول الله . قال : ( ومن لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ) .
ويقول أيضا مؤكدا على عظم ذلك:
( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ) قالوا : بلى يا رسول الله . قال ( إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا اقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ) .

إياك أن تعتقد اني أتيه عليك هنا وأمثل دور الناصح اﻷمين أمامك كما يقولون فالنصح كما تعرف وأعرف قلما يؤتي أكله إن لم يكن في ركابه يجري اقتناع مجرد من الرهبة..فالذي قلته لك ﻻ يعدو كونه كلمات استشفائية قد تنفعني وتنفعك في ثرثرة تخيلتها بيني وبينك ونحن في طريق طويل كنا نجتهد في قطعه بالشكوى ..أنا أشكو وأنت تشكو حتى أدركنا شيئا من الوئام و اﻷمن والسﻻم