فؤاد أم موسى...
من بعيد كان هناك خيال امرأة ..
كانت نافذة الفصل مفتوحة في مدرسة " الخزاعي" اﻻبتدائية..وكان التﻻميذ مشغولين ببعض اﻷنشطة التحريرية وكنت أقف أمام النافذة المفتوحة..كان الشارع الطويل ساكنا في هدأة الضحى يتنفس نسائم رقيقة عبقة تضوع من ثناياها رائحة المطر..
اﻷصوات خافتة والشارع يشكو من قلة رواده والدكاكين المفتوحة على جانبيه تستجدي تحية ولو كانت عجلى من زبون مار..
لما أصبح الخيال في مجال النظر واتضحت معالمه ..ظهرت امرأة عجوز تتهادى.. تتوكأ عصا تأن تحت ضغط يديها فترفعها في الهواء بين حين وحين كأنما تريحها شفقة بها
من وعثاء الطريق..
تساقطت قطرات المطر وتناثرت حباته كاللؤلؤ المنثور ..كالدرر ..وراحت تنقر نوافذ الفصل في لحن بهيج مسكون بالفرح..فرح البشرى بلقاء غائب طال انتظاره كثير ما يمارس الغياب ونادرا ما يفكر باﻹياب ويسعف اﻷحباب بزيارة تبل الصدى وتطفيء لهيب اﻷشواق..
تقافز التﻻميذ دون استئذان وتعلقوا بالنوافذ ليشهدوا ميﻻد حبيب قلما يجود بوصل في نهارات يتسيدها الجفاف والهجير..وأنشدوا دون وعي وقد أسكرهم الفرح:
(يامطره حطي..حطي) كأنما يستعجلونه و يحثونه على النزول ضيفا على مرابعهم التي ما فتئت تحن إلى مقدمه..!!
كانت العجوز حينها في محاذاة الفصل بالتحديد وفجأة توقفت أمامه ورفعت رأسها وتوجهت بوجهها نحوه وجعلته قبلتها بحركة العارف لمايفعل وصوبت النظر إليه ثم رفعت اكف الضراعة إلى السماء دون أن تلقي باﻻ لشدة انهمار المطر الذي راح يبلل عباءتها بخطوط متناثرة متعرجة تنحدر إلى من اﻷعلى إلى اﻷسفل..
كانت الدعوات ترتفع منها بإلحاح عجيب..إلحاح من تيقن من الوصول ومن ثم اﻹجابه..كانت تحرك يديها إلى اﻷعلى وكأنما هي بحركتها تلك تدفع الدعوات بقوة نحو السماء وقد اغتسلت كلماتها بماء المطر ذلك الماء الطاهر المبارك...
عجبت مما أرى ولم يطل عجبي كثيرا فقد جاءني الجواب سريعا عندما صاح غير واحد من التﻻميذ :
إنها أم موسى..موسى نداو
سألت: من موسى نداو..؟!
كان اﻷسم ليس غريبا..كان متداوﻻ بقوة في تلك اﻷيام..ضحكت وفي عيني حيرة تبحث عن مخرج..أشار أحدهم - وكأنه أحس بحيرتي فبددها بإشارته - إلى تلميذ أسمر كان يتحرك بعفوية مشاركا أقرانه تحية المطر..:
هذا هو موسى نداو..
قلت ولكن ليس هذا اسمه..!!
قال: أجل .. نحن من أسميناه موسى نداو ﻷنه يشبه تماما ﻻعب فريق "الهﻻل" "موسى نداو"..
لم يخطيء التﻻميذ كثيرا في تسميتهم لزميلهم باسم الﻻعب فقد كان الشبه كبيرا في اللون والمﻻمح والحركات أيضا..
في تلك الفترة من الزمن لمع نجم الﻻعب "موسى نداو" كﻻعب أفريقي محترف في صفوف نادي الهﻻل..ونال إعجاب الجماهير بإجادته لتنفيذ الكرات الثابتة وتصويبهابدقة متناهية لتلج في اﻷغلب مرمى الخصوم وتعانق الشباك محدثة هزة فرح في قلوب مشجعي الفريق وأنصاره..
لم يكن فؤاد أم موسى فارغا فقد كان مليئا مترعا بالحب والحنان..وقوفها تحت المطر ﻻيقفه إنسان خال من المشاعر..لقد اشتعل الدعاء نارا بين كفيها فغابت فيه وقد فقدت اﻻحساس بماحولها بعد اتصالها بعالم الروح فكانت تلك النار بردا و سﻻما على قلبها ولم تنطفيء شعلة الدعاء المتصاعد رغم غزارة نزول المطر ..!!
ظلت أم موسى تدعو حتى اطمئنت وﻻمس برد القبول شغاف قلبها ثم مضت في طريقها ﻻ تلوي على شيء...
قال التﻻميذ:إنها تفعل ذلك كلما مرت من أمام المدرسة وهي في طريقها لقضاء بعض شؤونها..
إنها تدعو لموسى بالتوفيق والسداد وتنثر حوله بركات قلب محب يرجو له الخير كله..بورك موسى وبورك من حول موسى..فقد ينالهم شيئا من بركات دعاء أم موسى..!!
عجبت حين علمت من أحد التﻻميذ بأنها لم تكن أمه..وأنه فقد كل أسرته وهو في الثالثة من عمره في حادث أليم لم ينجو منه أﻻ هو فكانت المرأة العجوز هي اﻷم الرؤوم و الحجر الدافئ الذي تربى فيه ..ترعرع وعاش موسى في كنف دعائها وتحت مظلة عطفهاوحنانها..
كانت شجرة وارفة الظﻻل أظلته من لهيب الفقد وبلسما داوى جراح مأساته فلم يعرف أما غيرها بعد أن غابت مﻻمح أمه وتوارت عن مخيلته الصغيرة..
عجبت أنها لم تكن أمه ولم ينقض عجبي..عجبت من تدفق الرحمة من قلبها كجدول رقراق يسبح فيه موسى وحيدا دون سواه مكلﻻ بالرعاية والعناية..!!
ثم عجبت أكثر من نفسي.. كيف ياترى لم ألحظ سن المرأة وعجزها...؟!!
سﻻم على أم موسى في الطيبين الراحمين
وسﻻم على فؤادها المتيم بحب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق