ثقافة الكلب..ثقافة التيس !!
الحضارة فكر..
ليست نسبا وﻻ سكنا..
وليست غنى وﻻ فقرا
وليست شهادة مدرسية مهما علا شأنها أو دنا..فالحضارة والفكر صنوان متلازمان وﻻ يمكن ان يكونا حكرا على أحد..
قد تؤثر البيئة قليلا في الفكر ولكنها ليست كل شيء.. وقد تؤثر البيئة في المظاهر أكثر وتطغى على الفكر.. وتظل في القشور الشفيفة التي ﻻ تكاد تستر اللب فهناك بيئات حضرية لم تجد نفعا مع الفكر البدوي المتجذر ولم تستطع أن تحرك من جموده وغلاظته وفظاظته قيد أنمله وقد أثبتت اﻷيام ومازالت تثبت ذلك..فهذه القصور وما فيها من نعيم وترف .. و تلك الشهاددات من أرقى الجامعات وهناك السفر والتنقل بين البلدان والحضارات والثقافات.. لكن مع كل ذلك ترى البداوة مازالت هي فكرا أعمى مسيطرا ضاربا بأطنابه على البصيرة الجمعية فﻻ ترى إﻻ إياه..حتى اﻷفكار المستوردة من ثقافات أخرى ختمت بخاتم البداوة فأصبحت لدينا علمانية وليبرالية بدوية تريد أن تقيد حرية غيرها بقيودها الخاصة وتسيطر عليها جهﻻ و عدوانا دون أن تفكر في شروط الليبرالية التي بدونها ﻻ يمكن أن تستقيم..
ومن الملفت للنظر أن أعراب الدولتين اﻷموية والعباسية كانوا أحسن حظا وأرشد عقلا من أعراب اليوم..كانوا يسارعون إلى التحضر إذا مسهم نسيم عليل من النعيم ولو مسا رفيقا أو إذا توفر لهم العيش الهانيء الرغيد الهين اللين واللباس الناعم والمسكن المترف والفرش الوثير والمركب الفاره.. وأيضاإذا كثر سماعهم للكلام المبين واللحن الجميل فتتغير فيهم الذائقة السمعية والبصرية وبقية ذائقات الحواس الخمس..وما قصة "علي بن الجهم" بغائبة عن اﻷذهان..فبعد التيس والكلب عندما كان بدويا جلفا غليظا..بعدها صنع لنا ابداعا بعد أن مسه شيء من التحضر فأبدع حين مال به الهوى وﻻمسته الرقة وداعبه اللطف وانعتق من أغلال التصحر العقلي..أبدع لنا :
"عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبنا الهوى من حيث أدري وﻻ أدري"
لله ما أرق الشعر ولله ما أرق فكر قائله..!!
فما بال أعرابنا اليوم وقد هبت عليهم النسائم والرياح فلم تغيرهم ولم تقتلع شيئا من جمود فكرهم..؟!
ومابالهم وقد أكثروا من السماع والنظر فلم يتحرك شيئا من ركود العقل لديهم..؟!
حتى الدين وقفوا منه موقف القول فقط ولم يسعوا إلى درجة اﻹيمان ليقرنوا القول بالعمل..فمابالك باﻹحسان..!!
" قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ "
ﻷن اﻹسلام قول..
واﻹيمان قول وعمل..
وأعرابنا يقولون وﻻ يعملون..
"طبعتهم البداوة بالجفوة والغلظة عندما يقهرون غيرهم ; أو بالنفاق والالتواء عندما يقهرهم غيرهم ; وبالاعتداء وعدم الوقوف عند الحدود بسبب مقتضيات حياتهم... واللّه عليم حكيم عليم بأحوال عباده وصفاتهم وطباعهم حكيم في توزيع المواهب والخصائص والاستعدادات وتنويع الأجناس والشعوب والبيئات'" وما جاء اﻹسﻻم إﻻ ليهذب النفوس ويشذب اﻷفكار ويشكل الرؤى..
حكاية طريفة:
قال الأعمش :
جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند فقال الأعرابي واللّه إن حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبني فقال زيد وما يريبك من يدي إنها الشمال فقال الأعرابي واللّه ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال فقال زيد ابن صوحان صدق اللّه ورسوله الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله..
اللهم اهد أعرابنا وارزقهم درجة اﻹيمان ليذوقوا حلاوته فيرقوا فترق منهم الطبائع وتحسن بعدها اﻷفكار والصنائع وتصبح الحضارة فعلا ﻻ ادعاء...