الأحد، 7 يناير 2024

لمن تغني الطيور

 محمد الأحمدي


        
        
         
         
         لمن تغني الطيور



          




—--------------------------


إلى :
محمد..فقط
ذكرى أيام خلت..
               
              



—--------------------------
             

              (1)

مازالت سعادته تكمن في يقينه فكلما تجرد لليقين التام ازدادت سعادته.. وهو يشقى كلما تراخى لرياح القنوط أو ركن إليها بالكلية نتيجة طارق من يأس يطرق باب قلبه..
ولكن ذلك كله يبقى مجرد ضعف يسيرلا يرقى أبدا إلى الشك الذي قد يطيح برسوخ يقينه !

                (2)  

‏هي لم تفهم ما الدهشة..
وهو لا يستطيع أن يعيد ما قاله ويكرره..
إنه يخشى على نفسه أن تتورط في التكرار ..
ذلك التكرار البغيض الذي كثيرا ما يقف حائلا بين الدهشة وبين اكتمالها بل ولا يتورع في اغتيالها إن لزم الأمر وبلا أية مبالاة تذكر...
  
             (3)

‏قال :
ما تفتأ تكدس الذكريات حتى أصبحت تطل برؤوسها الواحدة تلو الأخرى فتعيدك مجبرا إلى أغلال الماضي وعذابه المقيم..
قلت:
وماذا أفعل؟
قال :
ادفنها تحت ثرى التخلي فالتراب كفيل بإذابة الذكريات والرياح تمحو الأثر!


                 ٣
—-------------------------

               
              (4) 

 البيوت أسرار.. 
لم تعد تلك العبارة مجدية في الإقناع..او بالأحرى لم تعد محببه إلى النفس عند كثير من الناس وقد تأكد من ذلك حين قالها للمرأة التي كانت تجلس أمامه مكبة على جهازها الخلوي لا تلوي على شيء والتي كان همها الوحيد هو أن تصبح كالآخرين في كل شيء بلا تحفظ..
قال ذلك وهو هائج كثور في حلبة مصارعة أندلسية عندما استيقن في نفسه بأنه هو وحده الذي مازال يصارع ويعاني معاناة تفوق طاقته في كتم أسرار البيت..
تألم كثيرا بعد أن باتت أكثر أبواب البيوت ونوافذها مشرعة تخرج منها الأسرارعارية لا تكاد تستر شيئا من مفاتنها..
تخرج إلى الفضاء كأسراب الطيور حين تخرج من أعشاشها مع انبلاج فجر جديد..
لم يبق له إلا أن يظل صامدا في كتمانه أمام هذه الهجمة الشرسة من الفضائح راعيا للعهد القديم الذي قطعه على نفسه مقيما عليه !

 
              (5)  

‏وتلك الحياة التي مضت كانت كأغنية سمعها القلب لأول مرة في مكان مهيب ثم رسخت في الذاكرة يستدعيها المكان كلما هبت رائحة عطره المضمخة بالأشواق واستدعتها الأغنية العتيقة بلحنها الفريد ووقعها الساحر كلما التقينا أو جاءت بها المصادفات ذات سكون باذخ عابق بالذكريات !

                ٤
—-------------------------

             (6)  

‏كان كسولا خاملا ذات يوم خميس وكان نادرا ما كان يصحو في مثل ذلك اليوم إلا ثملا يتحسس رأسه فلا يكاد يجده ويفرك عينيه فلا يكاد يبصر بهما أما اليوم فقد أصبح في كل خميس شعلة تترقب الانطلاق وتتحين الخلاص من قيود خمسة أيام عجاف ليعانق بعدها الأنس برحابته واتساعه محلقا في فضائه بجناحي فرح أنيق يتنفس حرية بيضاء ولو لبعض حين!

               (7)  

‏اتكأ على قلبه عندما لم يجد ما يتكئ عليه. كانت هشة هي تلك الأشياء التي ألف الاتكاء عليها ولم تعد تتحمل ثقله وثقل ما يحمله وثقل ما هو متشبث به مصرا عليه ولكنه كان يخجل من التخلي والترك ولا يذكر أنه تخلى أو ترك.
تعرض للسقوط مرات ومرات ولكن كان دائما يثق في قلبه ولا يتوقع منه الخذلان !

            (8)  

فكر الحمار يوماً في تغيير صوته إلى صوت أفضل من النهيق ولو قليلاً..قليلاً فقط وراح جاداً يجري التدريبات تلو التدريبات بحماس كبير بعد أن لقي تشجيعاً منقطع النظير من أقرانه الحمير..وقد حقق أشواطأ من النجاح لا بأس بها واقترب من هدفه أو کاد..
فجأة سمع الأسد بالأمر فأرسل في طلب الحمار.
جاء الحمار مسرعاً ملبياً خافض الرأس ..
لم يعرف أحد مطلقا ما الذي جرى للحمار بعد ذلك في حضرة الأسد..
كان اللقاء قصيرا جدا وكان سراً غائرا انطوى عليه صدر الحمار الذي عاد مجددا إلى نهيقه القديم وصوته النكير!


                  ٥
—--------------------------

             (9)  

كان يخرج من بيته كل يوم قاصدا أطراف البلدة ليشتري من هناك  حاجته اليومية من الخيالات والأحلام..
كان يعرف أن ذلك قد يكون مستهجنا عند الكثيرين ولكنه لم يفكر ولو للحظة أن يخجل من أن يشتري أحلاما وردية ساحرة وخيالات جميلة فاتنة كفتنة ليالي ألف ليلة وليلة إيمانا منه  بمقولة من همس في إذنه ذات يوم قائلا له :
اشتر ما أنت بحاجة إليه ولا تهتم أو تبالي بمن حولك ولا تكثر الالتفات !

              (10) 

 مر سريعا كشبح متلفعا بالعتمة في طريق زلقة محفوفة بالخطر على إثر أجواء ماطرة في ليل بهيم..كانت أصوات المؤذنين تخترق سكون الليل مما جعله على يقين بأنها أيقظت كل النائمين..وكان هو يجاهد على أن يسبق المصلين إلى المسجد في اشتهاء لذيذ وكانت أنفاسه تحز في صدره كآلة حادة وكأنها تحاول أن تثنيه عن مبتغاه..وفجأة دوى انفجار خلفه فتلاحقت أنفاسه بشدة ولم يعد في إمكانه التحكم بها وأحس بلسع حرقتها في صدره كالسياط فأوشك أن يقع من هول الصدمة..وحين التفت لم يكن الانفجار قريبا منه كما خيل إليه ولكنه رأى ألسنة اللهب تشق عنان السماء وسمع صراخا من بعيد يتخلل الصمت ودونما أي تردد أو تفكير انثنى إلى الخلف مغيرا وجهته إلى الحريق وكأنما أصبح ذلك الحريق هو الصلاة المشتهاة !

             (11)  

قالوا له إن الأحلام لا بد أن تتحقق يوما ما..
كان حلمه الوحيد أن يجد عملا جيدا ومبتكرا يدر عليه مالا وفيرا فراح يبتكر حلما جديدا لكل ليلة عسى أن يتحقق له ما كان يحلم به حتى أصبح صانعا ماهرا للأحلام الجميلة.. 
وأقبلت المدينة كلها عليه تشتري منه أجمل الأحلام.. بينما هو بات ناسيا أنه كان يطلب حلما يحقق له ما يريد وظل حانقا ينتظر !

                  ٦
—--------------------------

            (12) 

‏قال في نفسه : 
أنا نسيت كي أستريح ولم أنس أبدا كي أسامح ..
حينها فقط اكتشف أنه لم ينس ولم يسترح ولم يسامح !

              (13)  

‏وما كان ينبغي له أن يعتاد تلك العادة اللعينة وكان عليه أيضا أن يقلع عنها بعد أن وقع فيها بمحض إرادته فليس من المعقول أن يجهد نفسه ويحملها ما لا تطيق ليجد تبريرا لكل فعل قبل أن يقوم به فالتفكير في التبرير كالخوف كثيرا ما يفسد المتعة !

             (14)  

‏هو لم يقل شيئا..
هو كان صامتا..
ولكني سمعت صمته يردد بصوت عال :
" أنا ما كنت سيئا في يوم من الأيام وهي تعرف ذلك جيدا قبل أن نلتقي ولكنني كنت في لحظة اللقاء كثيرا ما أرتبك ثم أتلعثم وما كانت هي تحب ذلك في الرجل.."

              (15)  

(‏ إلى متى وأنت تحدق في من بعيد؟)
قالت له ذلك وهي تمسح بأصابعها على رأس وردة رقيقة وتبعثر أوراقها..
قال لها :
آه لو تعلمين كم كنت أرجو لك بفعلي ذاك حياة أطول من تلك التي تكاد تذبل بين يديك..
ثم إني أعرف أن اللمس يؤذيك..
وأن كثرة القرب يفقدني لذة النظر إليك ويعجل بنهاية الشغف !

                 ٧
—--------------------------

             (16)

رأيته يدعو يكاد من سكونه أن لايرى شيئا ولايسمع حتى كدت أجزم بأن أنفاسه سكنت هي الأخرى واطمأنت ولم يعد يسمعها تتردد في صدره.
ورحت أتأمله فانشغلت به حتى انقطعت عن نفسي وكأني أشاركه في سكونه دون أن أدري.
ولما فرغ انتبهت بعد أن حركت التفاتته السكون من حوله فقلت له:
أعتقد أنك ستذكرني فأشركني في دعائك !

                (17)  

‏قال : 
إني أختنق..
قالت: لم ..ألم تألف الاختناق بعد؟
قال : 
إني أحاول.. ولسوف أخرج الآن لعلي أتنفس الهواء الطلق..
قالت ضاحكة : 
خدعة كبرى هو ذلك الهواء الطلق ..
ألم تعلم أنه بات منذ زمن بعيد وهو يرسف في الأصفاد !

              (18)  

كانت الأيام تبدو لعينيه ألوانا زاهية..
كان الأبيض للجمعة والأسود للسبت والأصفر للأحد والبني للأثنين والذهبي للثلاثاء
والرمادي للأربعاء والخميس كالماء ..
كانت الشمس حانية وكان الظل رحيما عطوفا..
وكانت الأشياء تعرفه وتناديه باسمه وكانت تألفه وتتجاذب أطراف الأحاديث معه حتى أن ما يقتنيه منها كان كثيرا ما يشبهه..
ما بالها الأيام و قد كانت حديقة غناء..
وماذا جرى للأشياء التي كانت
ترد تحيتة ولو بإيماءة..كان يراها تبسم له بل بعض الأحيان تقترب منه حتى تكاد تلامسه..وكانت أحجار الطريق تتنحى جانبا وتزدحم لتوسع له الطريق وقد تشرئب بأعناقها لتراه في الغدو والرواح مستقبلة إياه ومودعة. ما بالها اليوم..
عجباً يا ترى هل هو من غيّر وجهه أم غيّر من نظرة عينيه !

                 ٨
—--------------------------

              (19) 

انتبهوا أيها السادة : 
يؤسفني أن أقول لكم بأنه لا يمكنكم الدخول إلى قلبي مهما فعلتم.. 
حسبكم أن تتبعوني وحسبي أن أرى الحسرات ترتسم على وجوهكم والإنكسارات تتراقص في عيونكم..
ثقوا تماما أيها السادة أنني أتلذذ بحسراتكم وأستمتع بانكساراتكم وإن كنت قبل ذلك كله أرثي لحالكم البائس..
ذلك ما قالته السيدة التي تدعي بأنها جميلة جدا ومثقفة جدا أمام الجمع الذي كان يحيط بها إلا أنهم للأسف  لم يسمعوا شيئا مما قالت وواصلوا التفافهم حولها !

              (20)

‏أفاق والإفاقة عنده كثيرا ما تكون نوعا من العذاب فكلما أفاق كان الجلادون له بالمرصاد. لم يعد يطيق وقع السياط على قلبه وفكره..ولا يدري كيف اكتشف لذة الغفوات المخلصة ومتعة السياحة عبرها إلى فضاءات رحبة وآفاق بعيدة تخلو من قسوة الجلادين ووقع سياطهم التي تراوح بين الحياة والموت!

              (21) 

 وتأتين كنسمة دافئة في  ليلة شتوية باردة..
لم أر أحدا في ليلتي تلك ولم أجد خيالا يشاركني وأشاركه ولكنك أتيت على غير العادة وكأنه الصباح ولد في غير موعده وتخطى ساعات الليل فمحاها ببهاء طلعته..
كم أنت جميلة بالليل كجمال الصباح الذي أعتاد أن يألفك بالرغم من أن التجديد أبدا لا يفارقك !

                  ٩
—--------------------------

               (22)  ‏

ولم أجد يا سيدتي ما أرد به على رسالتك الأخيرة ولكن ما أدهشني في الأمر أنه لم يلمسني حزن أو كثير أسف أوأسى كما من قبل حينما كان يخذلني الرد في مرات كثيرة لأني على يقين بأنك روح تستشف ما سوف أقوله قبل القول..
وقد هدأت نفسي عندما جاءني صوت من أعماقها يقول لي : 
لا تبتئس يغنيك من يفهمك حتى عن الإشارة !

             (23)  

وبت ليال منذ عرفتك يا سيدتي وأنا خائف أترقب..
لست أدري لماذا كان يطوف بي إحساس غريب بإني سوف أتسلم رسالة منك..وكأني كنت على يقين بأنها ستصل في أي لحظة من لحظات يومي الذي بت أعده باللحظات حتى أني استبدلت تلك اللحظات بالليالي وأصبحت أتخيل كيف أكون حين أتسلم تلك الرسالة وما الذي سوف يحدث لي..
لا أخفيك يا سيدتي بأني بدأت أعد العدة لاستقبالها كمولودة جديدة مختلفة تماما عما سواها فماذا لو رأيتها أمام عيني حقيقة صارخة تمحو ما مضى من خيال !

              (24)  

الرسالة ما زالت في جيبي.. مازالت حية تتنفس..
أشعر بذلك كلما ادخلت يدي ولامستها أصابعي برفق كي أطمئن عليها..
أتعرفين منذ متى وهي كذلك .. لا أظن بأنك تذكرين فأنت تكتبين الرسائل دون الاهتمام بالوقت والتاريخ ولكني أذكر جيدا كل شيء..
الوقت واليوم والتاريخ والطقس ودرجة الحرارة.. واذكر الموسيقى الصادحة في الأرجاء وتلك الرائحة التي كانت تسكن المكان الذي قرأتها فيه وأيضا تلك الأصوات التي سمعتها وأنا أتهجى الكلمات .. ولن تصدقي لوقلت لك بأنني مغرم أشد الغرام بتلك الأشياء والتفاصيل الدقيقة !

                  ١٠
—--------------------------

               (25) 

 رفع سماعة الهاتف واتصل بصديقه الطبيب...
ـــ أهلا  دكتور..كيف أصبحت..صوتك لا يكاد يسمع..لم تنم ليلة البارحة هكذا يبدو..أنا آسف لإزعاجك لكن الأمر جد خطير..إنه يقلقني كثيرا..لا أخفيك أنا حزين جدا يا دكتور فهو يتعلق بزوجتي إنها تجلس بجواري الآن..اكتشفت اليوم فقط أنها لا تسمع لذا رغبت في استشارتك.
ـــ ليس الآن يا صديقي..ليس الآن فأنا مشغول سأتصل بك فيما بعد.
ـــ كيف ترى الأمر يا دكتور؟ أليس هاما كما أراه كذلك..
مسكينة كم أرثي لحالها..
ـــ قلت لك ليس الآن..إني مشغول جدا .
ـــ دع الهمس يا دكتور وارفع من صوتك لا تخش شيئا.. صحيح هي بجانبي الآن ولكني متأكد كل التأكيد بأنها لا تسمع ما يدور بيننا ..لقد اختبرتها اليوم عدة مرات.
نظر الرجل إلى زوجته فرآها تبتسم ثم أعاد سماعة الهاتف إلى مكانها قائلا :
ـــ انقطع الاتصال..شبكة الهاتف أعطالها كثيرة هذه الأيام.
قامت الزوجة من مجلسها متجهة إلى المطبخ فما كان من الزوج إلا أن صاح بأعلى صوته :
ـــ ماذا أعددت لنا اليوم ؟
ـــ كبسة..
عاد وكرر السؤال مرة أخرى فالتفتت إليه فرأى شفتيها تتحركان فصاح 
بصوت أعلى من ذي قبل :
ـــ يا امرأة أقول ماذا أعددت لنا اليوم ؟!
جاءت إليه الزوجة غاضبة ووضعت فمها في أذنه وصرخت:
ـــ أقول لك كبسة...كبسة !

              (26)  

في انتظار ظهور القائمة السوداء لم تعد أيامه ذات معنى..كان يمني النفس بالسير على خطى الركب المبارك الذي استفاد من الثقوب التي بذلت نفسها بكل أريحية لذوي النظر الثاقب من الموظفين العظام.. كانت قناة النظام تنضح ماء لا يُرى بالعين المجردة  وكانت حدة الإبصار عند أولئك هي التي منحتهم ذلك الوهج الماكر..لقد بنوا مجدا من قطرات ملأوا بها قواريرهم دون أن يشعر بهم أحد وأما الآن وقد سال الماء وكشف العورات وانتبهت الغفلة واستيقظ النائمون فلم يعد المجال مفتوحا أمام اللاعبين الجدد..سيظل باب الفرص مقفلا مادامت القائمة قائمة..مضت عدة أشهر ولم تظهر القائمة..إنها تخبو قليلا ثم ينفخ فيها قرار جديد فتتوهج وهكذا تراوح بين بين.. مازال الوقت مبكرا لموتها ودفنها فالذاكرة هذه الأيام متقدة ونادرا ما تنسى والنسيان يحتاج إلى وقت طويل أو يأس قاتل ومع هذا وذاك يضيع العمر..سوف يواظب على الانتظار فقد لا تأتي القائمة
أوقد تتضمن اسما فخما يمنعها من الظهور ويلغيها ويحاسب من وضعوها حينها فقط تسنح الفرصة وتلوح في الأفق الأمنيات..كم آلمه مجيئه في زمن المفترق..إما أن يعود الركب المبارك للركض من جديد وتعود أمجاد الرعيل الأول وإما أن تُعطّل المراكب ويُرمى بها في عرض البحر لتظل شاهدا على عصر مضى..وأخيرا وجد أن ليس له الآن إلا أن يضع نفسه على لائحة الانتظار!

                (27)  

أنا وزوجتي وابني الصغير كنا نقف عند تقاطع خطر.
كانت الإشارة حمراء..وكان النظام السائد هو أن تدفع ثلاثة ريالات ثمنا للتذكرة الواحدة لكي تعبر ذلك التقاطع الخطر..وكلما تغير لون الإشارة إلى الأحمر تدفع مجددا إن حدث لك ما يعيقك عن تجاوزها في الزمن الأخضر القصير جدا.. 
في المرة الأولى أخفقنا جميعا في التجاوز وهذا شيء مألوف..في المرة الثانية كنت مشغولا بالتحدث مع موظف بيع التذاكر وحين لمحت الضوء الأخضر كانت زوجتي غارقة في خيال ما أو كانت تسبح في أحد فضاءاتها المعهودة فأسرعت لحثها على تجاوز الإشارة فلم تستجب..حاولت أن أدفعها دفعا ولكني لم أُفلح..في المرة الثالثة وأنا مشغول أيضا مع موظف التذاكر الثرثار حاول ابني 
الصغير العبور والإشارة حمراء فوضع قدمه على خط التماس..صرخت زوجتي وتجاوبت معها صرخات عديدة فامتدت يدي في خطوة جريئة واستطالت على غير عادتها فجذبت الطفل بسرعة عجيبة وأنقذه الله من موت محقق..أمضينا ساعات طوال ننتظر أن تجود الإشارة علينا باخضرار يكفي لعبورنا نحن الثلاثة لكن الأمنيات كانت دائما ما تصطدم باللون الأحمر الذي كان يفرض هيمنته على المشهد بشدة..رجعنا من حيث أتينا راغمين واللعنات تجلجل في حلوقنا فقط ولا تتجاوزها أبدا !
 
               (28)

ذلك الرجل لم يكن يحمل في ذاكرته أشياء جميلة..
مر من هنا يوما فسقطت ذاكرته وتناثر كل ما فيها على الأسفلت أمام أولئك الناس الذين يفضلون دائما الجلوس على الرصيف ويثرثرون كثيرا.. وأولئك الناس هم في الواقع أصل الحكايات وصانعوها وهم أيضا العنوان الطويل لتلك القصص القصيرة جدا !

               (29)

كانوا يطرقون الباب برفق فيفتح لهم..
طرقة واحدة فقط كانت تكفي لأن يفتح الباب..
كان يقف شاهدا مطمئنا ينتظر..
وعندما جاء دوره سار نحو الباب بخطى واثقة..
طرق كما طرقوا..
واحدة اثنتين ثلاثا لكن الباب
ظل صامتا لا يستجيب..
أسلمته الصدمة إلى الدهشة والذهول..
لم يدر في خلده أبدا أن يحدث له ما حدث..لماذا يطرقون الباب طرقة هينة لينة فيفتح لهم..
وقف حائرا مشدوها تتقاذفه الظنون..
وفجأة لمعت الفكرة وانتصب الجواب ليطفئ ظمأ السؤال.
من اليقين الذي لا يقبل الشك أبدا أن السر ليس في الباب..
تأمل يده ثم ابتعد !

               (30)

خرجت من بيتي ثم وقفت على الرصيف أنتظرها وقد وعدتني أن تأتي وأقسمت على أن تأتي وتفي بوعدها..
 مرت بي الشمس وأنا غارق في لهفتي وانتظاري ثم غابت..
سألني راهب الليل :
هل أضعت شيئا ؟
فلم أجب..
طال انتظاري فقررت العودة إلى البيت ولكن بيتي الذي أعرفه جيدا لم أجده وكأنه قد ضاع مني..
وبعد محاولات يائسه وبعد أن أيقنت تماما من ضياعه مني عدت إلى الرصيف مرة أخرى أستجدي بيتا آخر !
—---------
نقلها إلى الفرنسيه
أ. مرتضى العبيدي "تونس"

                (31)

آلى على نفسه ألا يتحدث في ذلك الشيء الذي كان يعرفه جيدا ويحيط بمعظم أسراره والذي يعرف أيضا أنه قد برع فيه منذ أمد بعيد براعة لا يضاهيه فيها أحد..ولكنه وجد نفسه فجأة وكأنها فطمت عن كل ما سواه من الأحاديث ولم تعد تشتهي التحدث إلى أي أحد في أي شيء غيره !

              (32)

‏وقال لها مصارحا إياها  بما كان يؤرقه :
كيف يتسنى لنا أنا وأنت أن نؤسس لحب جيد وفهم مريح وأنت تجنحين على الدوام إلى التفرد بالإرادة المطلقة في كل شيء..
أشك كثيرا في أن يسعفنا الحظ أو يحالفنا النجاح !

               (33)

‏وقالت له  :
لا تدعني أتعرض للفراغ كثيرا..
فالفراغ وحش مرعب قد يلتهمني يوما فلا يبقي مني شيئا يذكر أو أهرب منه فأصادف لذة أخرى تملؤني في طريق هروبي فإن راقت لي وبقيت فيها طويلا يصعب عليك حينها استعادتي مرة أخرى من بين يدي امتلائي ولذتي الجديدة !

               (34)

( نداء استغاثة..أكرر
نداء استغاثة سفينتنا تكاد تصطدم بصخور البحر المرجانية) 
قال المساعد لقبطان السفينة :
- ألم تسمع النداء يا سيدي؟ 
رد القبطان :
- بلى سمعت وماذا عسانا أن نفعل؟
وبعد أن أخذ نفسا عميقا واصل ما انقطع من كلامه :
بالتأكيد نحن هنا لسنا للإغاثة نحن هنا فقط لمراقبة النجوم كيلا تسقط على أمنا الأرض.
هل أدركت ما أقول؟
ثم أردف قائلا :
كن بارا بأمك الأرض يا فتى وصب في هذه الكأس التي تعاني من الفراغ ما تبقى لدينا من شراب ولا تكترث لشيء أبدا..هيا فكأسي فارغة ولسوف تظل فارغة حتى أرتوي !

                (35)

نظر في المرآة أفزعه الوجه الذي رأى ..
عينان جاحظتان وأخاديد غائرة وخطوط متعرجة وهالات سوداء تمرغ أنفه.. 
أحزنه الواقع..
أثار سخطه.. 
لوح بقبضته غاضبا..
حطم المرآة بضربة حانقة ليخرج منها ذلك البؤس الذي لم يطق احتماله.. 
ثم راح يبحث هنا وهناك عن مرآة أخرى !

              (36)

في زمن البؤس كان  يبذر الحب ثم يدع شيئا منه للطيور والعصافير ..
وعندما همى الغيث وابتل الثرى واخضرت اﻷرض رفرفت الطيور حوله وصفقت وأقامت له حفلا باذخا لا ينسى.. وقام خطيب الحفل فيهم ثم أشار إليه قائلا : 
أيها اﻷبناء والأحفاد هذا أبوكم فغنوا له كلما رأيتموه !

                (37)

‏التقت به في ساعة كانت فيها أبواب القلبِ مشرعة..
قدمت له الحب فبادلها حباً بحب..
سارا معا جنبا لجنب..
طال المسير وطال معه انتظارها الصامت..
أحس بثقل انتظارها ..
تلقى منه ضربات موجعه أقضت مضجعه..
كان متألماً جدا من تقصيره نحوها..
قال في نفسه :
هي قدمت ما تملك..فأين ما أملكه أنا !

               (38)

‏لمدينتي نافذتان أطل منهما على عالمها الجميل..
وعادة ما أمر بالنافذتين في لهفة واشتياق..
ولكن في الآونة الأخيرة لاحظتُ أن مدينتي تعتني  بنافذة واحدة فقط وتدع الأخرى مهجورة يعلوها الغبار..
أصبحتُ أمارس الغياب كثيرا..وأخيرا حزمت أمتعتي وهجرت مدينتي إلى مدينة أخرى تعرف كيف تعتني بنوافذها !

               (39)

‏سألته :
ما الحرب..؟
قال لها :
إنها الرذيلة الكبرى في قدر الإنسان..
إنها تلك الراء المشؤومة التي وقعت بين الحاء والباء فأحدثت القطيعة بينهما كلما أرادا العناق!

               (40)

‏كان يرتشف قهوته في مقهى اللواء الأخضر على وقع خطواتها وهي تسير متأنقة على الرصيف المقابل..يذكر ذلك عندما كانت الخطوات مقامات و سلما موسيقيا 
ونغمات !

               (41)

حين سألتها :
هل تعرفينه ؟
كحد السيف جاءني الجواب صارما :
أجل أعرفه كما أعرف نفسي ولن أنساه ما حييت..لقد وسمني بوسمه ثم غادر..!

                (42)

قال لها بعد أن دنا منها أكثر ولمح في عينيها شيئا من الخوف : 
لا تخشي شيئا أبدا.. 
إن قلبي هو الذي يدنو منك الآن ولست أنا..
إنه صغير جدا..
وأليف جدا..
لقد ولد بعدي بكثير !

              (43)

قال لها :
ليت أنا التقينا ولو في منتصف المسافة.. 
فقالت :
الحياة ليست مسافة كي نقطعها إنما هي لحظتنا التي نحياها ثم نعيشها بكل اطمئنان !

               (44)

رأيته بعد طول غياب كاد أن يمحو من الذاكرة كل الصور فوجدته قد تهدم وانمحت ملامحه التي كنت أعرفها جيدا ولم يبق سوى قلبه النابض والبياض الذي مازال يسكنه !

                (45)

قلت متفكرا : 
ما بال الأيام لا تستريح؟
قال : 
راحتها في أن تمضي فهي تعرف ما تريد..
قلت :
ونحن؟
قال:
نحن كذلك مثل الأيام ولكننا نتردد كثيرا فتجدنا نراوح بين المضي والتوقف.. 
ثم نستسلم لليأس ويدركنا السأم ونتوهم الوقوف ونحن نسير!

                (46)

كلما مرت به وطمأنته ولوحت له بالبرء القريب لجراحه امتعض وتغير لونه..
وحين باغتته بالسؤال ذات
مرة :
لماذا ؟ 
انبسطت أساريره ثم قال :
كنت أخشى على جراحي من ألم الفقد !

               (47)

عندما فتح قلبها ورأى كل تفاصيله بعينيه الخبيرتين
زرع فيه حبة صغيرة ورش عليها شيئاً من العطر ثم أغلقه
وراهن على أن تلك الحبة هي الدواء الناجع لكل آلامها !

                (48)

‏مضى إلى حيث يمضي كل يوم..
مال في طريقه دون أن يدري إلى تلك الشجرة الظليلة ثم جلس مستندا إلى جذعها الضخم العتيد..
كان يستهويه النظر إلى الناس ثم النظر إلى نفسه..كانت متعته الوحيدة التي ﻻ يملها أبدا هي المقارنة..
الغادون والرائحون يمرون به في جريهم صباح مساء وهو قابع في مكانه لا يبرحه..
يتثاءب..ينام ثم يصحو ويتمطى بأقصى ما يستطيع..يفيق تماما من غفواته السريعة المتقطعة ثم يلاحق ذاك الغباء المستمر أمام عينيه ويتبعه بنظراته ويجول بها  ساخرا مستمتعا بالتعافي من كل ذلك العناء الذي يعانيه أولئك الضاربون في الأرض !

               (49)

أصاخ السمع جيدا ليسمع ما يقال..
ضحكوا منه كثيرا لأنه لا يسمع ويريد أن يسمع بل ويصر على أن يسمع وهم يسمعون ولكنهم لا يرغبون في سماع الكثير من الأصوات فأ صوات الأكدار باتت مرهقة!

               (50)

قال : 
أعتقد أن ليس لدينا ما نفعله..
قالت : 
لا ينبغي لنا أن نقول ذلك .. حسبنا أن نستمع إلى أنفاسنا وهي تتردد !

               (51)

كتب إليها قائلا :
أنا وأنت ليس يصلح لنا أن نسجن نفسينا في صباح الخير ولا في مساؤه ولا شيء آخر من تلك المستهلكات اليومية..
نحن أعمق بكثير من تلك الرتابة البليدة التي تزداد بلادة كلما ازددنا منها استهلاكا وليس ذلك ازدراء بالصباح ولا بالمساء ولكننا لا نريد أن نقع بعدهما في شباك الصمت الرهيب !

               (52)

كان"الصباح" يسير في الأسواق والطرقات..
 يلقي بتحاياه المميزة على المارة و المتسوقين  وأخيرا يجتذب مقعدا ليجلس بعضا من الوقت في مقهى الشروق... 
وبعد أن يشرب"الصباح" قهوته ويستمع إلى أغاني فيروز العتيقة ينسحب سريعا مخلفا وراءه ذكرى محببة في نفوس عشاقه ليعود إليهم في اليوم التالي...
كان "هو" كالصباح... أحبه كل العارفين بمذاقه ونكهته...ألقى تحيته وجلس قليلا على مقهى القلوب...
شرب فنجانا من القهوة واستمتع بصوت فيروز الشجي..."سألوني الناس عنك يا حبيبي.." ثم مضى...
عاد "الصباح" كعادته كل يوم.. أما "هو" فقد انتظره محبوه طويلا ولكنه لم يعد !


               (53)

كان سوق الحمام والحيوانات الأليفة تحت الجسر الفاصل بين الحلقة وشارع عين زبيدة يعيش يوما من أيامه الصاخبة..كان الرصيف يعج بالنساء والأولاد والرجال حتى ضاق بهم فنزلوا إلى الشارع فلم يبق بعد ذلك منفذا للمرور…الطيور الجميلة بألوانها البديعة.. القطط بأحجامها المختلفة وسحناتها الغريبة.. الأرانب في اقفاصها تروح وتجيء تحلم بالخروج والانطلاق..والدجاج البري الذي كان ينظر بدهشة إلى هذا الزحام وقد زج به فيه بدون اختيار…كان رواد السوق يألفون تلك الدكة المرتفعة أمام الدكان الكبير والتي يجتمع فيها أرباب الكار وكبار خبرائه من ذوي الدربة والذكاء المتقد…كانت كل الصفقات تدار بمعرفتهم فعيونهم الفاحصة ترقب ما يدور رغم جلوسهم الذي يجعل الناظر يظن أن الأمر لا يعنيهم…إنهم يتحينون الفرص لاصطياد كل غريب ونادر بكل حنكة واقتدار…فجأة لمحوا سيارة فارهة تتهادى في الزحام…كان هناك من يمشي بمحاذاتها ويشير إليهم…وصلت السيارة ونزل منها رجل أنيق المظهر تنم سماته وحركاته الهادئة وهيئته المهيبة عن شخصية متزنة تعرف ما تريد…نظر إليه الرجال نظرة إكبار و تهيأوا للتعامل معه كصيد ثمين ومنوا النفس بدفء محفظته المكتظة بالأوراق المالية الزرقاء ..
على الرحب والسعة انزلوه بينهم..كانوا في لهفة شديدة لمعرفة طلباته ولكنهم بخبرتهم الطويلة فضلوا التريث والانتظار…أبدى الرجل هدوءا غريبا وتعامل معهم بحميمية مطلقة وكأنه يعرفهم منذ أمد بعيد فأخذ يحدثهم عن والدته المريضة حتى أخرجهم من السوق وأدخلهم غرفتها ليروا بأعينهم ما تعانيه من آلام مبرحة وأوجاع لا تحتمل…ولما أيقن أنه تغلغل في أنفسهم وبنى جسور الثقة بينه وبينهم عرض طلبه ….ذئب…ذئب صغير وحبذا لوكان لونه بلون التراب..إنه في حاجة ماسه لهذا الذئب بمواصفاته التي ذكرها إن أمكن…لقد وصفه المجربون علاجا لأمه…إنه مضطر..لقد جرب كل شيء…لم يبق غير الذئب…قالوا له : نحن لا نتعامل مع الذئاب…قال لهم :
من أجلي..بل من أجل والدتكم المريضة…نظروا إليه…تبادلوا النظرات أكثر من مرة…قال كبيرهم وهو يعيد فتل شاربه ويرفع طرفيه عن شفتيه :
ربنا يسهّل….قام الرجل وأشار إلى السائق ثم التفت إليهم قائلا: أنا على أتم الاستعداد لدفع المبلغ الذي ترونه كافيا..
مضى الرجل والنظرات تشيّعه حتى اختفت سيارته عن الأنظار…عاد الرجال إلى ما انقطع من أحاديثهم واهتماماتهم وغربت شمس ذلك اليوم وعاد السوق إلى هدوئه وحركته الإنسيابية طوال أيام الأسبوع…

في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي وقفت السيارة في مكانها بالأمس ونزل منها الرجل المهيب فقام الرجال عن طعام الإفطار الذي كانوا يتحلقون حوله …
حاولوا مع الرجل بعد الترحيب أن يجلس ويشاركهم إلا إنه اعتذر بلباقة أخفت شيئا من التعالي غير المرغوب فيه 
قال الرجل :
ـــ جئت لتأكيد ما طلبته البارحة…وهذه خمسة آلاف ريال عربونا للمصداقية..والثمن تقدرونه أنتم...
رد كبيرهم وقد ثبّت عينيه على الأوراق المالية خشية أن تفلت منه:
ـــ لا بأس…
ـــ أيكم يستلم المبلغ…لدي ثقة في الجميع
ـــ خذه يا سليمان…ولا تنس أن تسجله في الدفتر..
غادر الرجل المهيب دون أن يأخذ إيصالا بالمبلغ تاركا وراءه الرجال يغرقون في الدهشة والغموض..
أسبوعان مرا والرجال يتندرون بقصة الرجل…لم يعهدوا في سوق الحمام طلبا كهذا….ذئب في المدينة ؟!…من أين يأتون بذئب وقد خلت حتى الصحاري من الذئاب..!
و في يوم صاخب كاليوم الذي جاء فيه الرجل المهيب بدا شيء في السوق يتحرك…علت الأصوات وزاد الصخب وتجمهر الناس…وجاء الخبر إلى الرجال في مجلسهم..فتى أسمر قد لوحته الشمس يسير في السوق حافيا ويرتدي زيا رياضيا قديما مهلهل الأطراف يطل منه جسمه في أشكال غير متناسقة…كان الفتى ذو الأسمال الباليه والوجه الكالح يجر خلفه في حبل قديم ذئبا صغيرا أغبر…ذئب في سوق الحمام و لإول مرة…خبر يستحق من الرجال أن ينهضوا من مجلسهم العتيد…ها قد جاءت الفرصة…
صاح الصوت الأجش فاتسعت الدائرة :
ـــ بكم الذئب يا ولد..؟
ـــ ليس للبيع يا عم..
ـــ ماذا…ولماذا أنت هنا إذن..؟!!
ـــ أبي قال لي أن هنا رجل أنيق ميسور الحال يطلب ذئبا ولكني لم أره..
ـــ نحن نشتري الذئب…
ـــ لا..لقد أوصاني والدي ألا أبيعه إلا لذلك الرجل الرجل…
ـــ نحن ندفع ثلاثة آلاف..
ـــ لا….
ـــ خمسة آلاف..أظنه مبلغ كبير…
ـــ أطمع في مبلغ أكبر..
ـــ وكم تتوقع أن يدفع الرجل..؟
ـــ ثلاثون…ثلاثون ألفا…
ـــ هذا كثير في ذئب صغير..
ـــ لا ليس كثيرا…أبي قال ذلك…أظن الرجل لن يأتي..سأعود غداً…
فكّر المعلم الكبير...
ـــ اصبر يا ولد…تعال معي.
جر الفتى ذئبه الصغير وسار خلف المعلم ولما وصلا إلى المجلس أودع المعلم الذئب في أحد الأقفاص ثم تشاور مع معاونيه…بتوا في الأمر بسرعة وأجمعوا على أنها فرصة قد لا يجود بها القدر مرة أخرى…
نادى المعلم الكبير بصوته الجهوري المميز:
ــ سليمان…اعطه ثلاثين ألفا (قال ذلك مشيرا إلى الفتى )
تسلّم الفتى المبلغ دون أن يعده أو ينظر إليه ثم انطلق مودعا السوق محاولا قدر المستطاع ألا يلحظه أحد….في الشارع الآخر كانت هناك سيارة تنتظر…
في انتظار الرجل المهيب توالت الأيام والأشهر وكاد العام أن ينصرم…الذئب في القفص والرجال في مجلسهم لا يملكون سوى تبادل النظرات !

                (54)

أدهشه ذلك المارد الغارق في سباته..
استدعى ما كان راسخا في ذاكرته عن قوته إذا استيقظ وقد سمع الكثير عنها وعن صموده  ورباطة جأشه وإقدامه وجسارته..
في داخل نفسه كان مؤمنا بكل ذلك لذا عزم على أن يوقظه بطريقة شيطانية أخفاها حتى عن نفسه يثيره بها وهو يعرف جيدا بأي شيء يستثار ذلك المارد العظيم ليزج به في  المواجهة بديلا عنه في أرض بعيدة لينهكه ويقضي به على عدوه اللدود..
وانتهت المعركة كما توقع وانقشع غبارها وانهزم العدو..
كان في عجلة من أمره للتخلص من المارد وقد خشي من انتصاره واستعادة قوته وألا يعود إلى سباته القديم فينقلب على من أيقظه..تنبه المارد  للخديعة والخيانة وعزم على الانتقام وازداد صلابة وشراسة وإصرارا وودع حياة الاستقرار وأذاق من أيقظه واستعمله لأغراضه الدنيئة صنوف شتى من العذاب !

              (55)

عندما رأته يقلب الكتب 
قالت له :
الكتب ليست للبيع دعها وشأنها..
– كل هذي الكتب التي تفترش الرصيف !
– نعم لك أنت ليست للبيع
– ولماذا أنا ؟
– لأني اكتشفت أن الكتب لا تعنيك وبالتالي لن تقرأها..
– عجبا..ومن أخبرك بذلك؟!
– حدسي..
– وهل تعتمدين في تجارة الكتب على حدسك؟
– أكاد أكون على يقين..
– ولماذا أشتريها إذن؟
– من أجلي..
– يا الله..
– نعم..ذلك ما تبين لي..
أصابه الدوار ولم يعد يرى الكتب وظل بصره شاخصا إليها فترة طويلة من الزمن ثم مضى وهو يهذي غير آبه بالطريق وبمن  فيه !

               (56)

‏قالت :
– تخيل لو غادر أحدنا الحياة مبكرا فماذا يفعل الآخر..
قال :
– ولكني أعتقد أن الآخرين نادرا ما يتخيلون ذلك.
قالت :
– لماذا تتهرب من الجواب؟
قال :
– في حقيقة الأمر لا أدري أو بالأحرى لم أكن مستعدا لذلك السؤال.
قالت :
– أنا أقول لك.
– قولي.
– تتزوج أنت أما أنا فإني أتزوج الأحلام.
قال معقبا :
– هناك أشياء كثيرة قد تحدث
ولسوف نجد للسؤال مهما كان عصيا جوابا شافيا في حينه !


               (57)

كل الذين رأوه رأي  العين اختلفت شهاداتهم فيه وكل الذين رووا شيئا من سيرته تعددت رواياتهم عنه وتشعبت.. 
وذلك سر خلوده في الوجدان وبقائه في ذاكرة المجموع حيا محصنا ضد النسيان..
لم يكن ساحرا ولا منجما ولاشيخ طريقة وإنما كان صاحب فكرة ملتهبة يلقيها من شرفته على الناس فيلتقطونها منه ويشعلون بها نيران المواقد والمشاعل ومصابيح الطرقات والزوايا والمنعطفات ويسدون بها الرمق ويبعثون بها الحياة في جميع شؤونهم..
ولما اختفى فجأة ضاعت من أعينهم الشرفة ولكن ظلت الفكرة حية تلقى إليهم كل يوم كما كانت من قبل ومن حيث لا يدرون ولا يشعرون.. 
ومنذ ذلك الحين ورغم الفقد أصبحوا بإلهامه يعيشون !

                (58)

‏قالت :
لم أفعل شيئا يدعوك للتمسك بي.
قال :
بلى فعلت..
قالت :
وما ذاك؟
قال :
هوشيء يعانق الروح  ويمس شغاف القلب ويسعد النفس..
إنه الاهتمام يا سيدتي ..
الاهتمام الذي كنت أشعر به كلما التقينا والذي جعلني شديد الإيمان بأن لذة الحياة ونعيمها هو امرأة تجيد الاهتمام وتجيد الدندنة بذلك الاهتمام على أوتار الشغف.. !

               (59)

كان الصباح يمشي إليها ويأخذها بيده إلى ركن قصي في مقهى الشروق ومعها هناك كان يحتسي قهوته وهو يلامس بعينيه أطراف أصابعها ويتأمل شفتيها المرتعشتين وهما ترتشفان قبلات ماتعة من كوب قهوتها..
ويمد عينيه إليهما دونما خجل ليشارك في حفلة التقبيل تلك بدعوة حيية من ابتسامتها !

               (60)

كان الخروج يلح عليها فاستجابت له مكرهة..الشوارع تزدحم بالقطط والكلاب الوقحة..حين رأوها مقبلة تبسموا فرأت أسنانا صفراء وأسنانا حمراء وأسنانا سوداء..أحست بلحمها يتساقط ومن ثم فاحت رائحة الشواء..الجو ملتهب والدخان يتغلغل في الأمكنة فيمتزج بالجدران والأتربة المعجونة بالمياه الآسنة..خافت من كل تلك الأسنان المتوحشه وحين رأت النهر أسرعت ورمت بنفسها في أحضانه ثم اطمأنت وذهب عنها الخوف بعد أن وجدته أليفا في تلك اللحظة و ليس له أسنان ! 

                (61)

وقالت له :
لا تصرح بحبك لي..
دعني أدور في لذة التلميح وبهجة الإشارة المفعمة بالمتعة.. 
دعني أعيش بالله عليك  في الإيهام والإبهام فالتصريح قد يفسد لذة الخيال ويقضي على مقاربة المنال !

                (62)

كان في سكون وفي مكان ساكن..
أصابه دوار لم يعهده من قبل..
ثم شج رأسه صداع بمطرقة ساكنة..
كل شيء كان في مكانه.. 
السماء واﻷرض..
ولكن حتى النوم كان مذهولا من ذلك السكون فتأثر نظامه وارتبك ثم تعطل عن العمل..
صاح في من حوله :
‏ما لكم ساكنون صامتون !
فلنخرج من هنا..لم أعد قادرا على التنفس..أكاد اختنق..!
ولما حطت قدماه على أرض الزحام والصخب والضجيج تنفس الصعداء وارتاحت نفسه وعادت إليه نضارته..
ومنذ تلك اللحظة أدرك أن السكون كالبحر أيضا أيضا له دوار وصداع !

                 (63)

لم يكن ينوي أن يطيل المكوث ولكنه أطال..هو يعرف أن اللحظات الجميلة..اللحظات المترفة بالأناقة لا تكتمل والحظ شحيح جدا في معظم الفرص.. تتاح الفرصة ويعرض الحظ عنها فلا تكتمل..
ولكن عزاءه الوحيد أن الاكتمال غالبا ما يكون مجلبة للملل والسأم..
وذلك ما حصل بالفعل مكث طويلا بين يديها ثم ‏فجأة سمعا صفارة إنذار قاتلة..هي غادرت مسرعة ولكن اللذة مكثت وتمكنت من نفسه وما زالت حاضرة وستبقى حاضرة كلما طال الأمد على ذلك اللقاء !

                 (64)

لم ينظر إلي حينما قدمت إليه بل أشاح بوجهه عني إلى الجدار الذي كان يجلس بجانبه..
قلت في نفسي"ماهذا.. لم أكن أتوقع منه أن يفعل ذلك..بل لم أفكر لحظة أنه بإمكانه أن يفعل" انتحيت جانبا من هول الصدمة..هذا ليس أول لقاء لي معه..إني أعرفه تماما وبيني وبينه صداقة عريضة..فعلا شيء يثير القلق هذا الذي يحدث..مالذي تغير فأنا على موعد معه وفي هذا المقهى بالذات وفي هذه الساعة ذاتها..الساعة العاشرة كما اتفقنا على الهاتف..
نظرت إلى ساعة معصمي كانت تشير إلى العاشرة وخمس دقائق..أنا وصلت إلى هنا في التاسعة والنصف أمضيت عشر دقائق تقريبا في البحث لموقف لسيارتي..دائما يضيع مني الوقت في هذا البحث المتكرر ﻷجد موقفا مريحا يريحني ويريح اﻵخرين وينقذني من القلق..ووقفت أمامه في العاشرة إلا عشر دقائق بذلك أكون قد قضيت خمسة عشرة دقيقة في الذهول..خرجت ثم عدت وأنا أصر على لفت انتباهه إلي ولكنه بقي كما هو لا يستجيب لشيء من كل ذلك.."ماذا دهاه؟" قلت لنفسي وعدت أقول لها"لكن أنت مازالت تتحكم فيك تلك العادة القديمة..تخشى الحرج دائما وقد أضاع عليك ذلك الكثير والكثير.. ما ضرك لو تقدمت إليه وبادرته التحية..هل كان من الضروري أن يراك مقبلا ثم يقوم إليك ؟" ولكني لم أقتنع رأيت أن الذي أفعله اﻵن هو الصحيح..لم لا يكون قد أعرض عني قاصدا متعمدا..أو حدث شيء مني لا أذكره قد أفسد ما بيننا من ود فكان سببا في هذا الصدود واﻹعراض..كل ذلك راح يتجاذبني بعد أن جلست على طاولة أخرى وطلبت لنفسي كوبا من الشاي بالنعناع المنعش..إنه هو ولا أحد سواه..إني متأكد من ذلك كل التأكيد..الحيرة تمزقني على مهل..بت أشعر بالمهانة فليس أنا من يصنع فيه ما يحصل اﻵن..استثرت كبريائي ولملمت أشلاء نفسي الممزقة في أركان المقهى وعزمت على الرحيل فأفرغت ما تبقى من كوب الشاي دفعة واحدة في جوفي والعرق يتصبب من جبيني ونفسي لم تعد تطيق المكان..في تلك اﻷثناء وأنا أهم بالمغادرة رن هاتفي المحمول..كان صوته يرن في أذني..صوته الذي أعرفه جيدا ولا يمكن أن أنكره..كان هو صديقي الذي جئت لموعده..كان يعتذر ويأسف كثيرا لتخلفه عن لقائي حيث لا يمكنه أن يأتي لدخول زوجته المستشفى لتضع مولودها الأول بعد طول انتظار.. ضحكت من نفسي كثيرا ولم أخبره بشيء مما حدث ثم خرجت دون اﻻلتفات لذلك الرجل الذي اشاح بوجهه عني !

                 (65)

لأول مرة في ذلك الصباح الساخن يرى الانحناء يمشي على قدمين..
كل الأشياء انحناء لا استقامة فيها  ..حتى المؤمنين أصبحت صلاتهم تبدأ بالركوع.. الأبواب والنوافذ لم تعد منتصبة وكأنها رأت الناس ينحنون فانحنت لهم تقديرا وتعظيما لانحناءاتهم..قامات الرجال والنساء باتت تئن تحت وقع الانحناء ..كل شيء يهتز وينحني ثم يسير في طرق منحنية..إنه بشبه الوباء ذلك الانحناء الذي جثم على الناس والأشياء !

                (66)

كل الأشجار التي قاومت الثعابين باءت بالخسران المبين.. 
وحدها الشجرة الأخيرة في الغابة هي التي نجت من الهلاك.
عرفت السر عن طريق الصدفة فقد استسلمت يائسة ولم تقاوم بعد الذي رأت وحققت نجاحا باهرا باستسلامها.
الثعابين لا تعرف الرحمة متى ما كانت جائعة...إنها تتلوى وتنفخ أوداجها حد الانفجار...لذا فهي تحطم كل ما يصادفها في سبيل الوصول إلى مبتغاها.
هدأت ثائرة الثعابين حين تخلصت من بعض ما كان يؤرقها...تبين للشجرة الأخيرة في تلك اللحظة بأن ما تنفثه الثعابين ليس ضارا بالضرورة بل قد يبدو منعشا وممتعا في أحايين كثيرة...!!
وتبين لها أيضا أن الثعابين تصبح ضعيفة ومسالمة متى ما أفرغت ما بجوفها.
هنا انتصرت الشجرة الأخيرة وبقيت وحيدة شامخة في غابة الثعابين بل فكرت في ترويضها وأن تسوسها في المستقبل القريب بعد أن رأتها تنطرح تحت أقدامها منهكة هامدة !

                (67)

‏قلت له :
لا أذكر أني رأيتك سعيدا السعادة كلها..
قال وهو يرسم على شفتيه ابتسامة حائرة :
ﻻ سبيل إلى ذلك يا سيدي فالمنغصات لاتكف عن التناسل!

                (68)

‏كان قد قرر أخيرا اعتناق
الحرية ففتح باب القفص على مصراعيه وترك تلك الهواية الرعناء فطارت الطيور..
نظرت إليه بدهشة وهو يقوم اليوم بتنظيف القفص والعناية به بعد قراره الأخير فبادرته قائلا:
ــــ ها أنت أطلقت الطيور... ففيمَ احتفاظك بالقفص !

                  (69)

‏قالت له :
ألم نكن طفلين بريئين قبل أن نعي..
أهو الوعي من علمنا الوجع وأصابنا بالرهق أم ماذا ؟
ثم مضت في حديثها قائلة :
أعتقد أن وجع الوعي ورهقه يكمنان في الطريق الطويل ثم في يأس السالكين..
أليس كذلك؟
ولكنه ظل صامتا ولم يقل شيئا!

                 (70)

لم يكن ما كان إلا من أجلي ومن أجلك أنت.
لم يكن زهدا فيك أن أفارقك ولا هجرا ولا سلوانا.. 
لقد أحببتك وأحببتك ولكن النجاة حب أيضا.
كنا في طريق موحشة وكلانا جائع وكل منا كاد أن يلتهم صاحبه وقد دلت النظرات وصرحت الالتفاتات فما كان مني إلا أن نظرت إلى المسافة التي قطعناها فوجدتها قصيرة جدا فآثرت الرجوع بك سالما وكما تعلم  فالسلامة خيركلها وحب كلها!

              (71)

‏اﻷوراق تتناسل..واﻷيام حبلى بالمزيد..
لملم كل ما تناثر على المكتب من أوراق..
كان على عجلة من أمره..
وضعها في ظرف كبير ثم انطلق..
سوف يرتبها لاحقا..تلك اﻷوراق تتعاظم كل يوم..كل ورقة أو أكثر تختص بإنسان..تعني له شيئا ما وقد يرتبط بها مصيره..
كان دوره ترتيبها وترتيب مواعيد عرضها..‏ومكتبه لا يخلو يوما من إنسان يبحث عن ورقة..عن رقم تتعلق به مصالحه..
أدرك أنه قد يستوفي عمره ولا تنتهي تلك اﻷوراق!
أوراق الناس كالوحش الكاسر تهدد حياته بينما أوراقه ترقد هناك في دائرة أخرى ولا وقت لديه ﻹيقاظها !

                (72)

لم أقل له شيئا ولم أسأله عما إذا كان يرغب في صداقتي أم لا..الحديث جرى بيننا سيالا هينا لينا وكأننا أصدقاء من قبل رغم فارق العمر الذي كان جليا واضحا لا تخطئه العين..كان ذلك في محطة الحافلات الخارجية..وحملنا حقائبنا وركبنا الحافلة وكنا مسافرين إلى وجهة واحدة..
لم نتعرف على الأسماء إلا في منتصف الطريق بعد أن تناولنا وجبة الغداء ثم واصلنا الرحلة ونحن نتجاذب أطراف الحديث بين غفوات متقطعة وحين وصلنا في منتصف الليل أبدى رغبته في أن نكون شركاء في السكن بعد اطمئنت نفسه خلال الرحلة الشاقة إلى أنني صديق يوثق فيه كما قال لي..كان الفرق بيني وبين ذلك الشاب يفوق عقدين من الزمن ولكنه كان يسبق عمره الزمني ويتفوق عليه برجاحة عقله واتزانه العجيب وبه استطاع أن يكون ندا لي ويلغي ذلك الفارق الذي ربما يكون عقبة كأداء لمن هم في عمره..ومما فاجأني وأذهلني أنه سألني أن نكون معا في خروجنا وتنقلاتنا إن لم يكن لدي ما يمنع من ذلك..لقد جاء هو إلى هنا سائحا وأنا جئت في مهمة خاصة..رحبت برغبته فليس عندي مايمنع ولكني ذكرته فقط بأن ذلك لن يحد من حريته في اختيار ما يريد منفردا فيما لا أريد فأنا هنا صديق لاغير فلا حرج بيننا في الخصوصيات..تفهم ما قلته ووعاه جيدا..وفاجأني ذلك الشاب مرة أخرى في أننا أصبحنا متلازمين حتى في سهراتنا بمنتهى الحرية والقناعة فدهشت من ذلك التوافق العجيب بيني وبينه وقد كنت منذ أن وصلنا وأنا اتوقع منه غير ذلك بكل واقعية لم أنتظر خلافها..ولم نفترق لحظة منذ أن التقينا في محطة الحافلات المغادرة حتى رأيته يبكي ذات ليلة وقد شفه الوجد واشتعل فيه الحنين لرؤية ابنته الوليدة التي هي الثمرة اﻷولى لزواجه..حدثني عما يبكيه وحدثني عن ألمه وما يعانيه منذ أن جاءت ابنته إلى الدنيا وأبصرت الحياة مرورا بولادتها العسيرة وبما أصابها بعد الولادة من مرض عضال أقض مضجعه وفت من عضده وأودى بتحمله فرثيت لحاله ولم أجد ما أعزيه به في مصابه غير  أن أبكي معه فقد وجدت أن الكلمات لا تسعف ولا تستطيع أن تخفف شيئا من معاناته ووجدت أن البكاء هو المسعف الذي جاء معبرا صادقا بلا تكلف أو اصطناع..وقد قرر الرحيل والعودة بعد أن نفد منه الصبر ولم يعد يقوى على كتمان مايعتمل في صدره وما يدور في خلده..وتعانقنا في المحطة عناقا حارا وودعته وأنا أدعو له وهو يعتذر ولا مجال لﻹعتذار وتلك حالته..وأدركت أن الشاب جاء إلى هنا هاربا لوحده من هم ثقيل ناء القلب بحمله فانصرف عن المتعة مجبرا وهي في أوجها وهو أشد مايكون في حاجة إليها أو باﻷحرى ذلك ما يقتضيه الحال في فورة الشباب وعنفوانه !

                 (73)

الليل قد أحكم قبضته وفرض سطوته وسكونه على المكان ..
أشارﻷول سيارة مرت به.. فتح الباب الخلفي ووضع حقيبة السمسونايت على المقعد.. استلقت الحقيبة على المقعد الخلفي بكل هدوء..
أغلق الباب ولم يركب لكنه دار حول السيارة من الخلف ليركب في المقعد اﻷمامي جوار السائق ولكن السيارة تحركت قبل أن يصل..
سارت السيارة بهدوء ولكن بدت لعينيه في أقصى سرعتها..
كانت أضواء الشارع خافتة وشحيحة جدا..وكانت أعمدة النور تلتقط أنفاسها بصعوبة واﻷشجار تلقي بظلالها على الرصيف في جو قاتم يزيد من كآبة ليلة السبت..
راح يجري خلف السيارة مندهشا وينادي على السائق بأعلى صوته وﻻ مجيب وأحسس بطعنة غدر لم يحسب لها حسابا البتة..تنبه حينها إلى أن للحقيبة إغراء غفل عنه..وراح يجري ويجري حتى كاد أن يفقد اﻷمل واﻷنفاس بينما كانت السيارة  تسير سيرا عاديا ﻻ يثير شيئا من الشبهة..
وأخيرا كانت اﻹشارة الضوئية هي من أوقفت السيارة..فتح الباب وركب بجوار السائق..نظر إليه الرجل في ذهول مميت ودهشة عجيبة ثم قال :
-- ألم تركب..
-- ﻻ..كنت أجري خلفك وأصيح بك..
-- واعتقدت أني غدرت بك أليس كذلك؟
-- في أول اﻷمر نعم..ثم أدركت أن في اﻷمر سوء فهم تقدير لما رأيت استقامة المسير وهدوئه.. ولحاقي بك لهو الدليل على براءتك من سوء ظني وشدة هلعي..أحيانا تكون الملابس ياصاحبي أغلى من الذهب !

              (74)

يبدو أﻻ أحد هنا..!!
دار الندوة فارغة..
لم تخلو يوما منذ أن خطرت الفكرة.. 
حتى أثناء البناء كانوا يجتمعون ويترقبون الحدث بصبر نافد..
ماذا دهاهم أولئك اﻹشراف الصناديد!!
ليس هناك غير العبيد يقومون بمهمة اﻻتصال بين البيوتات الرفيعة لنقل التداوﻻت بينها..
الرسائل الشفهية تصل مشوهة وتفقد كثيرا من رصانتها وبعضها يسقط على الطريق ثم يختفي بين أحجارها..
السادة في البيوت وفي عزلة تامة عن الحياة..
والعبيد يكدحون مرغمين..ليس  إﻻ العبيد الذين يلهثون تحت الشمس المحرقة..إنهم ذلك الهشيم المعد سلفا طعاما للنارعندما تبدأ أول وجباتها..
إنه الوباء أيها السادة حيث ﻻ ينفع درع وﻻ رمح وﻻ سيف وﻻ قلب جسور !

               (75)

‏-- ماذا قلت؟
-- لم أقل شيئا..
-- إذن من الذي قال؟!
-- لست أدري ولكني متأكد بأني لم أقل شيئا.
-- سمعت صوتا كأنه موجه إلي..
-- وماذا قال لك؟
-- عجبا..إني أسألك منذ البداية ولم تجبني!
-- أنا لم أبد صوتا البتة.
-- ولكني سمعت !
-- مهلا هناك حل.
-- وما هو؟
-- أعد اللحظة علي أسمع 
معك !

              (76)

يحكى أن للوزير في أوقات فراغه كرة صفراء  تسر الناظرين يلهو بها على بساط أخضر ويطاردها من فوق صهوة جواده..
طلب منه السلطان يوما تقريرا عن أحوال الرعية فكتب الوزير في تقرير سريع 
موجز :
( سيدي ومولاي..
نم قرير العين فالرعية كل الرعية يلعبون بالذهب)
التوقيع :
خادمكم الأمين 
المقر لكم بالفضل والإحسان..
ونام السلطان قرير العين بعد قراءة(التغرير)



               (77)

‏كان ذلك يحدث في الأحلام..
يحدث في الروايات..
في الحكايات..
في اﻷفلام..
ويحدث اﻵن بلا شيء يرى : 
المدينة تنتفض من الرعب والفزع والخوف..الهلع يحيط بها من كل الجهات..
فجأة وفي لحظة صحو لم تعد اﻷحلام ولاالحكايات ولا الأفلام القديمة تبعث الرعب والهلع فقد تهاوت المدينة اليوم دون أن ترى الفئران الضخمة كما كانت في فيلم (طعام الآلهة) وهي تجوب الشوارع.. 
المدينة تتهاوى اﻵن وﻻ أحد يصدق أنها تتهاوى وتنهار دون أن ترى شيئا بعينيها المبصرة !

              (78)

وقال لهم وقد ضجوا من أعباء الحياة وازدياد أوزارها :
تبا لكم أترجون تغييرا سريعا سهلا بغير دعاء ؟!
ما أقبح الرجاء القاصر والنظرة الحمقاء وتلك الإرادة الكسولة المتراخية..
والله إنكم واهمون وفي غيكم سادرون وإنكم عن الطريق السوي لناكبون..

              (79)

قال لصاحبه والحيرة تلقي بظلالها على وجهه :
ـــ  أرهقتني كثرة البراهين أيها الصاحب ..
وكأن الجواب كان مبيتا من قبل رد عليه صاحبه وهو يبتسم :
ـــ  بل كثرة الشكوك 
يا صاح !

               (80)

قالت :
إنه العيد ولابد من أُضحية ثم واصلت :
كل الناس يضحون...بكل شعرة حسنة والله يضاعف الحسنات مرات كثيرة لا تعد ولا تحصى لمن يشاء...أنت تتعامل مع واحد كريم..كريم جدا وليس كالرابض هناك عند البوابة كالكلب لا يشبع أبدا يمتص حتى العظام مصا يذيبها لتصبح لعابا في فمه.....انهمر عليه كلامها حتى بلل ملابسه وكاد أن يغرقه...
ماذا يفعل..؟ 
لا تتركه هذه المرأة ألا وقد أسلمته إلى الأولاد....
ضجيج في المنزل وصخب في الشارع...الإذاعة أُضحية...التلفزيون أُضحية...الصحف أُضحية...المجالس أُضحية....الخروف يطل برأسه من كل باب ونافذة... لقد سد عليه الأفق...لم يعد وحيدا..أصبح مرتبطا بشيء ما...التفكير يشاركه طعامه وشرابه...جلوسه ووقوفه... صحوه ومنامه..قرر أن يغامر ويشتري خروفا للعيد...إنها المرة الأولى...دعهم يفرحون...سيقتطع الثمن من إيجار الشقة..
من مصروف الأولاد...من فواتير الكهرباء والماء والهواء...لايهم
ـــ مدها...(قال بائع الأغنام)
ـــ ماهي..؟!
ـــ يدك...
ـــ اصبر قليلا..دعني أتفحصه جيدا..
حفظ الدرس من تكرار ما سمع...لابد أن يكون سمينا.... 
وضع يده تحت إلية الخروف ورفعها عاليا ثم تركها..يجب أن يكون جميلا تجذبك عينيه ليدخل قلبك....أُذنيه..أرجله…
نظافة صوفه..ظهره..بطنه....وتحت أبطيه كان يبحث عن غُدةٍ مستترة...
ـــ لا تخف هو سليم من العيوب...إني أعرفه..لقد ربيته واعتنيت به بنفسي..أنا متأكد إنه من نصيبك..
ـــ والثمن..
ـــ ألف ريال كلمة واحدة لا فصال فيها..
الجزار كان واقفا ينتظر بثوبه الأحمر وجعبته المدججة بالسكاكين والساطور والمبرد :
ـــ توكل على الله...أُضحية مقبولة بإذن الله..
ـــ توكلنا على الله...الذبح في المنزل ليفرح الأولاد..
ـــ مئة ريال..
ـــ الأمر لله...
نقد البائع الثمن ثم مضى بسيارته يتخيّل فرحة الأولاد كيف تكون غير عابيء بثرثرة الجزار وصياح الخروف الذي لا ينقطع....
تجمع الأولاد حول الجزار أمام المنزل...وحين سالت الدماء بكى الصغير ذو السنوات الثلاث بحرقة وكأنه يحتج بينما الآخرون في ابتهاجهم سادرون....
علق الجزار الذبيحة...سلخ الجلد..شق بطنها واخرج أحشاءها....
ثم جاءت سيارة مسرعة..
تصدى لها الطفل الصغير...
ساد صمت رهيب ...
الجزار غاب عن الأنظار...
والخروف ظل معلقا لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه وأصبح كتلة صماء تتأرجح أمام منزل تعوي الرياح فيه !

              (81)

رأيته في الصباح كان يسد الأفق مهابة وعظمة وجلالا ويملأ الصورة بهاء وبهجة وجمالا ولا يكاد يترك فراغا لخلفيتها..
ورأيته في المساء وهو يتخفف من ملابسه بنزق عجيب ويطلب بامتعاض
دورة المياه فأنكرته !

              (82)

جاء فرحا ليشارك في الاحتفال السنوي الكبير بيوم الجائزة...
كان يمني النفس بنصيب وافر من الشكر والاستحسان فهو بلا شك سيكون النجم الساطع في هذا الاحتفال العظيم..لكنه ما أن وصل المكان حتى اصطدمت عيناه بالأبواب المغلقة وتعثرت قدماه في الأسلاك الشائكة فجرحته..
بعد طول تأمل وذهول ويأس خانق انتبه لنفسه البائسة وتحسس قلبه الدامي فغمس أصبعه في جرحه الغائر وكتب بدمه الأحمر القاني على جدار البوابة الكبرى..
" هذا الحقل ياسيدي رويته بعرقي وتعهدته بيدي هاتين وبذلت له دمي قطرة فقطرة..فكيف بالله عليك توصد الأبواب دوني إذا أقبلت مواسم الحصاد وحان قطاف الثمر!
إن كان ياسيدي هذا الحقل حقلك وأنت الذي تجني ثماره وحدك فالمعذرة كل المعذرة لأني سأحتفظ بعد اليوم بعرقي ودمي وقواي كلها لنفسي..لنفسي فقط !"

                (83)

– وبعد أن أجهدت نفسك ياسيدي الضابط ونالت الحياة منك ما نالت وخرجت من المعاناة واﻹجهاد إلى  راحة حرة سقفها السماء واتساعها اﻷرض و الفضاء.. أجدك ما زلت مشغولا مهموما :
فما الذي يشغلك اﻵن بعد ذلك كله يا سيدي !
– ﻻ شيء سوى أني بت أراقب كل شيء حتى الخيانة..
– أوه..أوقعت نفسك في شغل ﻻ ينتهي..وحسبك الخيانة وحدها 
من راقب الخيانة يا سيدي مات هما !

               (84)

إنه ﻻ يخشى على نفسه اللحظة القاتلة فتلك لحظة من المستحيل أن تتلوها لحظة أخرى..إنما يخشى من لحظة قاصمة ﻻ تدع للظهر أن يستقيم..
فكر مليا..إن ما نخشاه ونهابه ﻻ يأبه باﻻستئذان..وليس للشفقة في قاموسه المحيط من مكان..
استدار نحو المرأة..تأملها جيدا..همس لنفسه :
عليها أن تغير هي مقعدها أو أغير أنا مقعدي..مقعدي الطويل الذي طال واستطال من أثر الجلوس..وهمس لنفسه مرة أخرى:
كيف غاب عني أن الجلوس الطويل حمل ثقيل يبعث السأم ويطيل آﻻم الظهر..عليه أن ينهض..يدرب ظهره ولو على نصف استقامة إن لم تكن استقامة كاملة..عليه أن يتحرك..يمشي.يهرول..بل عليه أن يجرب اﻻنقضاض بقوة فالضربة اﻷولى انتصار..التردد كثيرا ما أرهقه وقرض من العمر ما قرض..اﻻتساع قد تأتي به فكرة صغيرة في لحظة انكشاف تزيل حجب ملبدة على امتداد سماء البصيرة.. فليهنأ باللحظة الراهنة فالعمر كله قد يكون لحظة جاءت وجاء معها البصر والتبصر..وكل ما مضى ﻻ يستحق لحظة ندم إذا جاءت اللمعة التي تشعل المصباح وتركل بقدميها تلك الظلمات التي غشت القلب ثم تقذفها في سلة مهمﻻت الذاكرة !

               (85)

لم أره في المنام.. ولكن رأيت من كان يرغب في شراء بيته.. 
سألت دون وعي :
بيته الأبيض.. ؟
لأني أعرف أنه يملك بيوتا عدة ولم أكن أدري لمن وجهت السؤال..
قال بحسرة :
نعم.. 
فجأة تدخل ابن الذي لم أره في المنام.. ولم يكن معنا حين كنا نتحدث وﻻ أدري كيف جاء ..!
وبادر بالرد قائلا : 
ليس للبيع.. 
قلت أنا وكأني رأيت البيت من قبل :
أليس هو ذلك البيت الأبيض ذو الطوابق المتعددة الذي يقع…. وغم علي العنوان واسم الشارع ولم أستطع أن أتذكر شيئا البتة فتدخل ابن الذي لم أره في المنام وقال :
أجل !

               (86)


من بعيد كان هناك خيال امرأة ..
كانت نافذة الفصل مفتوحة في مدرسة " الخزاعي" اﻻبتدائية..وكان التلاميذ مشغولين ببعض اﻷنشطة التحريرية وكنت أقف أمام النافذة المفتوحة..كان الشارع الطويل ساكنا في هدأة الضحى يتنفس نسائم رقيقة عبقة تضوع من ثناياها رائحة المطر..
اﻷصوات خافتة والشارع يشكو من قلة رواده والدكاكين المفتوحة على جانبيه تستجدي تحية ولو كانت عجلى من زبون مار..
لما أصبح الخيال في مجال النظر واتضحت معالمه ..ظهرت امرأة عجوز تتهادى.. تتوكأ على عصا تئن تحت ضغط يديها فترفعها في الهواء بين حين وحين كأنما تريحها شفقة بها من وعثاء الطريق..
تساقطت قطرات المطر وتناثرت حباته كاللؤلؤ المنثور وراحت تنقر نوافذ الفصل في لحن بهيج مسكون بالفرح..
فرح البشرى بلقاء غائب طال انتظاره وكان كثير ما يمارس الغياب ونادرا ما كان يفكر باﻹياب ويسعف اﻷحباب بزيارة تبل الصدى وتطفيء لهيب اﻷشواق..
تقافز التلاميذ دون استئذان وتعلقوا بالنوافذ ليشهدوا ميلاد حبيب قلما يجود بوصل في نهارات يتسيدها الجفاف والصهد والهجير..
وأنشدوا دون وعي وقد أسكرهم الفرح :
(يامطره حطي..حطي) كأنما يستعجلون المطر ويحثونه على النزول ضيفا على مرابعهم التي ما فتئت تحن إلى مقدمه..!
كانت العجوز حينها في محاذاة الفصل بالتحديد وفجأة توقفت أمامه ورفعت رأسها وتوجهت بوجهها نحوه وجعلته قبلتها بحركة العارف لما يفعل وصوبت النظر إليه ثم رفعت أكف الضراعة إلى السماء دون أن تلقي باﻻ لشدة انهمار المطر الذي راح يبلل عباءتها بخطوط متناثرة متعرجة تنحدر من اﻷعلى إلى اﻷسفل..
كانت الدعوات ترتفع منها بإلحاح عجيب..إلحاح من تيقن من الوصول ومن ثم اﻹجابه..كانت تحرك يديها إلى اﻷعلى وكأنما هي بحركتها تلك تدفع الدعوات بقوة نحو السماء وقد اغتسلت كلماتها بماء المطر ذلك الماء الطاهر المبارك...
عجبت مما أرى ولم يطل عجبي كثيرا فقد جاءني الجواب سريعا عندما صاح غير واحد من التلاميذ :
إنها أم موسى..موسى نداو
سألت ضاحكا :

 من موسى نداو هذا..؟!

كان اﻷسم ليس غريبا..كان متداوﻻ بقوة في تلك اﻷيام..ضحكت وفي عيني حيرة تبحث عن مخرج..أشار أحدهم - وكأنه أحس بحيرتي فبددها بإشارته - إلى تلميذ أسمر كان يتحرك بعفوية مشاركا أقرانه تحية المطر..:
هذا هو موسى نداو..
قلت ولكن ليس هذا اسمه..!!
قال: أجل .. نحن من أسميناه موسى نداو ﻷنه يشبه تماما ﻻعب فريق "الهلال" "موسى نداو"..
لم يخطيء التلاميذ كثيرا في تسميتهم لزميلهم باسم اللاعب فقد كان الشبه كبيرا في اللون والملامح والحركات أيضا..
في تلك الفترة من الزمن لمع نجم اللاعب "موسى نداو" كلاعب أفريقي محترف في صفوف نادي الهلال..ونال إعجاب الجماهير بإجادته لتنفيذ الكرات الثابتة وتصويبها بدقة متناهية لتلج في اﻷغلب مرمى الخصوم وتعانق الشباك محدثة هزة فرح في قلوب مشجعي الفريق وأنصاره..
لم يكن فؤاد أم موسى فارغا فقد كان مليئا مترعا بالحب والحنان..وقوفها تحت المطر ﻻيقفه إنسان خال من المشاعر..لقد اشتعل الدعاء نارا بين كفيها فغابت فيه وقد فقدت اﻻحساس بماحولها بعد اتصالها بعالم الروح فكانت تلك النار بردا و سلاما على قلبها ولم تنطفئ شعلة الدعاء المتصاعد رغم غزارة نزول المطر ..!!
ظلت أم موسى تدعو حتى اطمئنت وﻻمس برد القبول شغاف قلبها ثم مضت في طريقها ﻻ تلوي على شيء...
قال التلاميذ :
إنها تفعل ذلك كلما مرت من أمام المدرسة وهي في طريقها لقضاء بعض شؤونها..
إنها تدعو لموسى بالتوفيق والسداد وتنثر حوله بركات قلب محب يرجو له الخير بورك موسى وبورك من حول موسى فقد ينالهم شيئا من بركات دعاء أم موسى..!!
عجبت حين علمت من أحد التلاميذ بأنها لم تكن أمه..وأنه فقد كل أسرته وهو في الثالثة من عمره في حادث أليم لم ينجو منه أﻻ هو فكانت المرأة العجوز هي اﻷم الرؤوم و الحجر الدافئ الذي تربى فيه ..ترعرع وعاش موسى في كنف دعائها وتحت مظلة عطفهاوحنانها..
كانت شجرة وارفة الظلال أظلته من لهيب الفقد وبلسما داوى جراح مأساته فلم يعرف أما غيرها بعد أن غابت ملامح أمه وتوارت عن مخيلته الصغيرة..
عجبت أنها لم تكن أمه ولم ينقض عجبي..عجبت من تدفق الرحمة من قلبها كجدول رقراق يسبح فيه موسى وحيدا دون سواه مكلللا بالرعاية والعناية..!!
ثم عجبت أكثر من نفسي.. كيف ياترى لم ألحظ سن المرأة وعجزها...!
فسلام على أم موسى في الطيبين الراحمين
وسلام على فؤادها المتيم بحب موسى !

              (87)

كان أبي صاحب متجر كبير..
كنت أرى الناس يدخلون ويخرجون..وفي أحيان كثيرة يزدحمون
وكنت أرى النقود بكل فئاتها تتراكم أمام أبي..
كان أبي مشغوﻻ بعد النقود ومفتونا أكثر بتنسيقها..ﻻ مجال عنده لغير ذلك..
ما رغبت يوما أن أذهب معه إلى المتجر ولكنه كان يجبرني على رفقته لكي ﻻ ألعب مع ابن الجيران داخل بيتهم..كان يحذرني دائما قائﻻ لي :
اللعب في الشارع فقط..إياك أن تدخل بيت الجيران..
أبي كان يمنع منعا باتا أن أدخل بيت الجيران..لم أكن أعير اﻷمر اهتماما..ولم تكن اﻷسئلة تطرق بابي كثيرا إنما كنت أنفذ أمره فقط..في بيتنا كنت أتعثر في أطراف سجاده القديم النافر وأصطدم باﻷشياء المتناثرة هنا وهناك بدون ترتيب..عندما يراني أبي يقول لي : هذا قدرك يابني..العثار واﻻصطدام قدر كتب في اللوح المحفوظ ﻻ نستطيع تغييره..
في أحد اﻷيام سافر أبي..كانت فرصة أن ألبي دعوة ابن الجيران لدخول بيتهم..طالما رفضت خوفا من أبي..في بيت الجيران اكتشفت أشياء كثيرة لقد لعبنا وجرينا..لم أتعثر أو أصطدم..كانت أطراف السجاد مطمئنة واﻷشياء مرتبة واﻷنوار ساطعة..طرقت اﻷسئلة بقوة أبوابي المغلقة وانتصب أمامي السؤال الرئيس : لماذا تغير القدر في بيت الجيران وظل في بيتنا ثابتا ساكنا..؟!
وانثالت بعد ذلك اﻷسئلة !

               (88)

                 
حين أبصر الدنيا بقلبه قبل عينيه وجد فارقا غريبا يفصل بينه وما بين أقرانه..
فارقا بدا يتضح وتتضح معه أمور كثيرة..وجد أنهم يعيشون في كنف اثنين من ذكر وأنثى أما هو فكان يعيش في كنف واحد فقط..وسمع من بعيد باسم غريب يتهامس به الناس حين يرونه حتى أصبح الهمس صوتا مسموعا عاليا حد الضجيج وأصبح   من الواضح جدا أن ذلك الاسم هو الذي أحدث ذلك الفرق بينه وبين أقرانه وصاحب اﻻسم منذ البداية شرخ في القلب وﻻ يدري لماذا شعر باﻷلم وأحس بذلك اﻹحساس..إنه اسم غريب له وقع حزين في النفس يثير الشفقة وويل للإنسان من الشفقة..ومنذ لحظة اصطدامه بذلك اﻻسم بات يكره تلك الشفقة...
"يتيم".. واليتم سوط يجلد صاحبه بالليل والنهار وكيف إن صاحبه فقر وقلة حيله..

ليس لليتيم من الدنيا إلا حظ الشفقة..
والشفقة مزرية بالنفس وامتحان صعب يفاجئها وهي لم تزل غضة طرية..
ليس هناك اختيار..وليس للفتى إلا أن يعيش ويتصالح مع العيش على مضض..وتنبه الفتى مبكرا أن هناك طريقان لا ثالث لهما من خلال تعامل الناس :
القوة أو الضعف ولا مناص من اﻻختيار فجاءت اﻷنفة تعرض نفسها عليه كردة فعل على تلك الشفقة المرة التي لا تستساغ وجاءت مع الأنفة العزة والكرامة تقويان وتساندان العلو وتبشران بشيء من الارتياح..
تلك نسمات هبت على الفتى مفعمة برائحة طيبة فطابت نفسه وقويت عزيمته في مواجهة الحياة !

               (89)

في طريقي إلى البيت دخلت الحي الذي أسكنه فوجدته نظيفا على غير العادة..والأزقة فيه قد صفت مداخلها على جانب واحد في تنسيق بديع والجانب اﻵخر من الحي أصبح ساحة كبيرة.. ولكن كلما هممت بدخول أحد اﻷزقة سمعت أصواتا من النوافذ والشرفات تصيح بي :
( لا... لا...هذا خطأ...هذا خطأ..)
فأرتد بسرعة خجلا مرتبكا أتعثر في خطاي منتقلا إلى المدخل الآخر ..ولكن الشيء نفسه كان يحدث معي حتى انتهت المداخل كلها فعدت أدراجي حزينا وخرجت من الحي كله !

                (90)

قلت له :
أما من حل لكل هذي المشكلات التي تتناسل كل يوم..
أجابني ضاحكا :
أو تستطيع أن تعيش بلا ماء يحييك أو بلا هواء تتنفسه !

وقلت له :
ولكنك لم تقل شيئا عما يحدث هذه الأيام ..
قال لي:
إن ما يحدث لا يحتاج إلى قول..
قلت :
وماذا يحتاج إذن..
قال :
يحتاج فقط إلى أن يكبر ثم ينفجر فيقول عن نفسه كل شيء..

ثم قلت مستفهما :
وكيف نقيس مدى الغباء في الإنسان ..
قال :
حين يلعن نفسه !

               (91)

نظر إليها مشفقا..
لم تنم تلك الليلة ولا الليلة التي قبلها فجرحها لم يلتئم بعد..
هو يعلم أن اليد التي جرحتها كانت في تلك اللحظة تغط في نوم عميق والسكين التي جرحتها باتت باردة ولكن لم يقل لها شيئا أي شيء من ذلك.. 
هو يحاول ألا يستثيرها وألا يقلب مواجعها..هو يحاول فقط إطفاء اشتعالها !

               (92)

في ذلك الزمن الجميل الذي بالطبع لم يكن جميلا كله كانت أخبارالأحداث تأتي ميتة أو قد تدفن وتندثر قبل أن يسمع بها..
ويبدو في اعتقاده أن ذلك هو سر جمال ذلك الزمن الذي مازال يستعيده بين فترة وأخرى ويتغنى به والزفرات والشهقات تخنقه فيكاد يقتله الوله كلما ضاقت به الحال !

               (93)

وبعد أن تفكر فيما يجري حوله قال مواسيا نفسه وهو يحاول أن يدرأ عنها القنوط الذي بات يحاصرها : 
ومجمل ما تراه النفس اليوم من شيء لا يسرها تجده منقوشا هنا :

"إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ"
 
فلا يمحوه تتابع الأزمنة ولا تغيرالأمكنة ولم يأت مصادفة عمياء كما يظن ويعتقد الأغبياء بل هو مكر الليل والنهار!

               (94)

‏أشقاه اﻻلتفات وعذبه..
ذلك اﻻلتفات الذي صادفه مرة في الطريق فأعجبه..
وأصبح منذ تلك اللحظة المباغتة كل شيء فيه يلتفت..
ومضى العمر واﻻلتفات يلازمه حتى ضاق به ذرعا وأمسى الفكاك منه ضربا من المستحيل..
والتفت القلب ومن حق القلب أن يلتفت.. وليت القلب لم يلتفت.
ولكن ماذا كان بوسعه أن يفعل وقد كان اﻻلتفات 
‏يهيمن على كل الحواس والمشاعر يقطع به الطريق جيئة وذهابا ويلون النفس كما يشتهي بألوانه التي تتجاذبها اﻷضداد وتتضارب فيها الرغبات.
وماذا يقول اﻵن بعد مصاحبة اﻻلتفات كل هذا العمر صحبة قسرية في أكثر أحواله.
هو لا يستطيع أن ينكر أن في بعض اﻻلتفات متعة باذخة ولكن لم يكن سعيدا في قرارة نفسه بذلك الالتفات..
وبعد كل ما جرى يمكنه الآن أن يقول :
عاش سعيدا من لا يلتفت !

               (95)

تقدم إليها ليرى أبعد مما يرى ثم وضع مرفقيه على راحتيها ثم فتح عينيها ونظر من خلالهما..
عيناها واسعتان..شاسعتان.
نظر إلى اﻷفق البعيد.. تأمله جيدا ..لم يكن اﻷفق بعيدا كما يقولون ..ولكن اﻷفق فجأة قد اقترب أكثر فأكثر حتى سد ما بين عينيه وعينيها.. 
وطمست العيون كلها وحل الظلام!

               (96)

‏-- لا تتبعني كظلي..
-- إني معجب..
-- وأنا متعب.. 
-- وماذا أفعل؟
-- تقدم وامش إلى جانبي فإني لا أحب التابعين !

             (97)

أفاق بعض إفاقة والجميع في سبات عميق..
كان رأسه مازال مثقلا ..
حاول أن يوقظه ليمضيان معا فما استطاع..
عزم على النهوض مهما كلف اﻷمر فما كان منه إلا أن حسم خياراته وخرج إلى الطريق ثم مضى مسرعا وحيدا بلا رأس!

               (98)

أشار الشيخ إليه بعصاه ثم قال :
أيها الفلاح الطيب وأنت تحرث حقلك وتبذر حبك ثم تتلأﻷ على جبينك حبات عرقك فتروي بها ما بذرت تحت الثرى.. عليك قبل ذلك أن تفكر كيف تحمي من اللصوص حصاد أرضك !

               (99)

‏عندما ﻻحت بشائر الفجر في اﻷفق البعيد توقفت اﻵﻻت الموسيقية كلها عن العزف.. تململت قليلا ثم غادرت أماكنها ولم يبق إﻻ الطبل الضرير.. ظل في المكان وحيدا يصدر أصواتا نشازا ﻻتليق بمقدم الصباح الوليد وﻻ بإشراقة النهار الجديد!

              (100)

وماالذي تحقق من الحب وما صاحبه من وعود؟
أنا هنا أجرد نفسي من العاطفة ومن  الحب والكره.. أنحيهما جانبا ولو لوقت قصير جدا لأسمع منك بعقلي بل بمنطق الأشياء..
قالت له ذلك وانتظرت الجواب..
كان الأبناء كلهم حاضرين لم يتخلف منهم أحد ولكنه أصر غير مكترث وبعنجهية بغيضة على أن الكثير قد تحقق وأنه يرى ما لاترى..
لم يقف معها أحد لأنهم يعرفون بأنه سادر في غيه ولن يفيق أبدا ولن يقولوا هم  شيئا رغم أنهم يعرفون من قبل أن معها الحق كله فيما قالت ولكن الخوف والمصالح تقاسما المشهد بأكمله !

              (101)

قال :
جاء وقت المدرسة..
قلت :
جاء المكروه الذي يكره الناس عليه..
قال : 
ألا تحب المدرسة حتى بعد هذا العمر..
قلت :
النظام دائما هو المكروه..
لمحت هزة من  رأسه وكأنه يوافقني ولكنه حاول أن يخفيها مخافة أن يكون عرضة للاشتباه !

              (102)

‏كان ممتدا كالبحر بعيدا كاﻷفق وكانت الطيور تحوم حوله وكأنها شعرت بمدى آلامه وانكساراته فذلك الامتداد وذلك البعد ما كانا من طبيعته،كان يرجو أن تمتد يداه مع امتداده وتمسكان بذلك المجهول الذي كان يلوح له في اﻷفق ولكنهما كانتا خائفتين واكتشف أنهما تتشبثان بالمكان الذي زرع فيه قدميه !

                (103)

‏قلت له:
أرهقنا جمال اﻷرواح وحسنها حتى تعلقنا بها وهي تهيم حولنا فلا نكاد نقترب منها إلا وقد غادرتنا على جناح حلم في غفوة لذيذة وتركت لنا من الصبابة ماتركت
قال لي:
مازال اﻹنسان يطمع في الروح والجسد معا ما بقيت له الحياة فيصعب عليه الاكتفاء بالروح دون الجسد وذلك هو سر شقائه ورهقه الشديد !

               (104)

ذلك الموظف الشاب الصغير الألمعي يقبع هناك في الأرشيف تحت الأرض ويجلس وحيدا بين أكوام الملفات القديمة التي انتهت صلاحيتها وهو يعمل فقط على حراستها من دودة الأرض..
هو يعرف أن نقله إلى هذا المكان العابق برائحة الغبار والتراب كان عقابا مستحقا لألمعيته الفذة التي أظهرها في زمن الستر والاحتجاب..
وهاهو يعترف بأن ألمعيته قد فشلت بالفعل في أن تدرك لب المسألة بعد أن وقعت في حبائل النشوة وباتت سادرة في سكرة الخيالات الخاطئة والبعيدة تماما عن الواقع الراهن المعيش.. وذلك غباء اكتشفه في نفسه بعد فوات الآوان ومازال يراه ماثلا أمام عينيه كل يوم عندما تتوالد الحشرات بين الملفات المهترئة وتتكاثر ثم تجري هنا وهناك  وتتقافز بين يديه !

               (105)

لم يعد يذكر متى وقف على قدميه آخر مرة..
الوقوف على القدمين بات مستحيلا أو لنقل نادرا ما يحدث..
إنه يسير الآن إلى الأمام  بل يهرول ويكاد أن يجري بغير أرادته في سباق لا نهاية له فقد مضى زمن التوقف أو السير على مهل..
حتى الأحلام أمست شحيحة وأصبحت تمر به في منامه كالبرق الخاطف..
أين تلك الأحلام التي كانت تقف طويلا أمام عينيه حتى يقضي منها مآربه..
لم تعد في الحياة روية أو أخذ نفس عميق فالعجلة والأنفاس اللاهثة صارت هي عنوان حياته الراهنة..  ولكنه على كل حال مندهش جدا كيف أمسك بلحظة شاردة كي يقف فيها متأملا خواطره التي انثالت في غفلة من الزمن الذي يعيشه !

              (106)

يرتاب في كل شيء وقد بلغ منه الارتياب مبلغه..
خرج من بيته قاصدا مقهى المنتزه..
خطوة واحدة إلى الأمام فقط  وفاجأه الارتياب.. 
فاجأه هذه المرة في مشيته..
شعر بالغربة تجتاحه وتلقي بظلالها على نفسه..
لم تكن هذه مشيته العتيدة
ما الذي جرى؟
هذا الذي يحدث ما كان ليخطر له على بال في يوم من الأيام..
الطريق ليست بالقصيره..إنه يقفز كعصفور صغير..
ابتسم رغم سيطرة القلق وشدة الرهبة. 
ماذا دهاه ياترى..
جلس في الظل عله يسترجع ما فات مما مضى ثم قام محاولا استعادة مشيته الوقورة ولكنه لم يفلح فقد كانت القفزات هي هي بل تزداد التصاقا بمشيته وكأنها الأصل وما سبقها محض خيال..نظر إلى نفسه مليا..
ماذا يفعل؟
خشي أن يطير بعد هذا القفز المتسارع 
تخيل نفسه وهو يقفز هذه القفزات بين طاولات المقهى وتخيل الضجيج الذي سوف تحدثه بين الرواد..
لم يستطع أن يواصل بغيته..
استدار وعاد إلى بيته وحمد الله على أن تمكن من الاستدارة ثم حبس نفسه حزينا بين جدران ارتيابه الذي أقض مضجعه وأطاح باتزانه !

               (107)

كتب إلى رفيق الطفولة وصديق الصبا وأول الشباب حيث جمعهما القدر ذات صيف على ملعب ترابي كانا يحرثانه مع بقية الرفاق  بالجري خلف الكرة..كتب إليه بعد عقود من الزمن أصبح فيها الصديق لاعبا كبيرا تتصدر أخباره وصوره صفحات الصحف ومنصات الإعلام..كتب إليه يقول :
عزيزي اللاعب الكبير..
القمة رأسها مدبب كُتب عليها(للمرور فقط)
ألا ترى معي يا صديقي أنك أطلت المكوث..؟!
لماذا لا تعترف..؟
لِمَ تكابر وتتحمل مالا يُطاق..؟!
لقد كنت تنادي قبل أن تتسنم القمة: على اللاعب أن يعتزل وهو في القمة..
عجبا..ما الذي جرى وتغيّر..؟!
في بدايتك ذُهلنا بموهبتك الفذة..
صفقنا لك طويلا..حملناك على الأعناق وجعلناك رمزا لانتصاراتنا..أعطيناك كل شيء..الحب..الشهرة..المال..وتبارت الأقلام في مدحك والثناء عليك..فحصتك العيون وتعمقت نظراتها في أدق شؤون حياتك..
صديقي :
أزعجني تصريحك الأخير الذي قلت فيه :" ابني سيكون خليفتي في الملاعب..ابن الوز عوام"
لقد ضربت مثلا لا أحبه كثيرا..سيتمنى الناس جميعا الانتماء إلى فصيلة الإوز بعد قراءة تصريحك..
لا أكتمك بأني كنت أعد العدة لكي أزج بابني إلى الملاعب ولكن تصريحك هذا اغتال كل شيء وأطاح بآمالي الكبيرة...لقد مهدت الطريق لغيرك..سيسير الجميع على منوالك وتحتكرون الميدان...وراثة ؟!!..أليس كذلك..؟!.. وأبناؤنا من لهم..؟
أنتم تعتلون القمم ونظل نحن في القاع..تلك بلا شك قسمة غير عادلة !!
لا أُنكر يا صديقي أن محبيك قد أحاطوك بهالة من القداسة المقيتة وضربوا حولك سياجا حديديا وجعلوك منطقة محرمة يمنع فيها الاقتراب والتصوير إلا بإذن منهم
لكني سأقترب منك رغما عن كل الأسلاك الشائكة وحقول الألغام وأدخل إليك من بابٍ يبدو ضيقا الآن بعد أن كان واسعا رحبا..صداقة قديمة أنت تعرفها و أظن أنها ما زالت عالقة في ذهنك..
صديقي اللاعب المخضرم :
أنت مازلت تكافح لكي تبقى متربعا على القمة كما يقولون..إنهم يغالطون أنفسهم  فالتربع لا يكون على رأس مدبب..!!
صورتك يا صديقي بدأت تبهت..تخلى عنها البريق ولم يعد لها ذلك الإشراق القديم..إنها تهتز..لقد ضاق بها الإطار الذي كان جميلا في يوم من الأيام..أقدامك لم تعد تقاوم الوقوف الطويل..البساط بدأ يتحرك من تحتك..نعم هي حركة وئيدة قد لا تشعر بها ولكنها النهاية بالطبع..
صديقي..الأكف تعبت من التصفيق والحناجر ملت الهتاف والأعناق لم تعد تحتمل..
سينفض الجمع من حولك ويتحطم السياج وستفقد الألغام المزروعة حوله فاعليتها..الأقلام التي صقلتك وجاءت بك إلى القمة أيضا رؤوسها مدببة..!!
أخشى يا صديقي أن تبقى في العراء وحيدا تصارع المهاجمين الجدد وقد تحطمت جميع دفاعاتك..البطاقة الصفراء بدت تلوح في الأفق..ترجّل عن الجواد يا صديقي قبل أن تُشهر في وجهك البطاقة الحمراء واحتفظ بالنياشين والأنواط لنفسك واجعلها شاهدا على أيامك المجيدة وذكرى عزيزة تؤنسك في وحدتك الموحشة التي ستحل بك لا محالة !

              (108)

كانا دائما ما يسيران معا جنبا إلى جنب و إن كانت كتف الشيخ تتقدم قليلا نحو الأمام... وقد كان الصمت مرافقا أمينا لهما حتى بات مطمئنا لا يخشى الخيانة...
" سنرحل يوما وتبقى هذه الخُطا"  
قالها الشيخ فجأة ذات فجر ما زال متسربلا بالظلمة.. قالها لتلميذه وهما يقتربان من باب الجامع الكبير..
في طريق العودة كان التلميذ ينحر الصمت وحيدا بوقع نعليه الثقيلتين وقد فارق الشيخ 
الحياة فجأة وهو يصلي صلاته الأخيرة !

               (109)

منتهى اسم لذيذ..
فتنة لا تتوقف ولا تلتفت..
خرجت إليهم ذات ثم حطمت قلوبهم بوقع كعبها العالي..
لم يروها حين خرجت ولا يدرون من أين فلم ينتبهوا إلا وهي تمتطي الطريق وتغذ في المسير..
المطاردون كثر..
راحوا ينادونها ويتوسلون إليها أن تقف..
لماذا لا نسبقها أو نسلك طريقا عن اليمين أو اليسار لنتصدى لها ونواجهها..
أكثر من واحد دارت تلك الفكرة في رأسه لكن الطريق كانت إلى الأمام فقط..
كل الاتجاهات كانت مغلقة..
السير خلفها أصبح قدرا...من يقترب أو يظن أنه اقترب لا يشعر إلا وقد حطت على وجهه قطعة من ملابسها
تناثرت القطع الكبيرة والصغيرة..
عرقها تضوع عطرا ملأ الأجواء..
سكرت الرؤوس واهتزت الأبدان.. تعرت هي تماما أمام الأنظار..
ضجت الحناجر بالتضرع :
الرحمة..الرحمة يا الله
ازداد عدد السائرين..
جميعهم كانوا على يقين أن رحما ما أخرجها وقذف بها في عيونهم فتعلقت الأبصاربتلك السائرة على درب طويل..
وطال بهم المسير ولم يكن في استطاعة أحد منهم التوقف  فالتوقف يعني السقوط ومن يسقط سوف يصبح طعاما سائغا للأقدام الجائعة..

             
                (110)

الأول : 
لسنا في ظلام أليس كذلك؟!
الثاني : 
من المؤكد فالأشياء منيرة كما ترى..
الأول :
ولكن أين المصباح؟ 
الثاني : 
أجل هذا صحيح أين المصباح؟
الأول : 
عجبا ياصديقي كيف نرى ما ينيره المصباح ولا نراه !
الثاني : 
فعلا من المخجل ألا نراه..
الأول : 
لا بأس..يبدو أن هذا هو قدرنا فلنواصل البحث جيدا..
الثاني : 
إذن اخترنا الأصعب..
الأول : 
ماذا تريد أن تقول ؟!
الثاني : 
أريد أن أقول إنه كان من الأولى أن نرى المصباح أولا..
الأول : 
صدقت ذلك ما دار في خاطري.. 
ولكن سنصل لا محالة !
—----------------
نقلها إلى الروسية أ.علاء عمر.
وإلى الفرنسية أ. سعاد بني أخي

               (111)

كان يجلله البياض أينما حل وإنك لتراه ناصعا كلما اشتد في الناس السواد..
توالت بعده أحداث جسام لم تكن تحدث في الماضي إلا كل مئة عام..
مات وحيدا لم يخلفه أحد ولم يترك شيئا لذا انتفى النفع من شهادات الشهود التي أدلوا بها..
الشاهد الأول :
حججت وانقطعت بي السبيل فصرخت في الزحام يائسا فانتشلتني يده الكريمة الحانيه وبقيت أتقلب في نعيمها حتى أقر قلبي ثم نطقت شفتاي :
 "حسبك أيها النبيل إني راحل.."
الشاهد الثاني كان
شاهدا نائما صحا ليدلي بشهادته ثم يعود كي يغرق في نومه مرة أخرى :
شجرتي لم تثمر..
حين داهمني المرض والفقر وقد كنت وحيدا فانقطعت بي الأسباب..
رفرفت حولي جناحاه حتى وصلت إلى بغيتي بسلام..
الشاهد الثالث كان عصفورا مكسور الجناح :
بعده لم يعد أحد يمنحني ذلك (الريال) الجديد..
انتظرتُ أياما أمام
باب الأبيض أمني نفسي بظهوره حتى صُدمتُ بكلمة جديدة لم أكن قد عهدتها من 
قبل !

               (112)

وهو يسير متوكئا على عصاه رأى شابا يمتلئ حيوية ونشاطا يجري خلف الكرة وقد خرجت لتوها من ملعب الحي القديم..
استوقفه حين مر به راجعا وصافحه بحرارة..تفرَس الشاب في وجهه مليا ثم قال :
ـــ من الشيخ؟
ـــ ألا تعرفني؟
ـــ لا.من الشيخ؟
ـــ ليس مهما..
تابع سيره حزينا يعتصره الألم والعبرة تكاد تخنقه...
لقد كان ذلك الشاب أحد أقرانه في فريق الحي!

              (113)

يزوره قبل الآخرين..بل يتعمد أن يسبقهم إليه في لهفة عارمة..
كل يوم لا ينسى الزيارة يكررها عدة مرات..
يطيل المكوث ويبالغ في المحبة ويبقى وحيدا معه بعد انصراف الزائرين ليبرهن على صدق العشق وشبق الوله..
ألفه المحبوب واطمأن إليه وأصبح موقنا بحب صادق لا يخالطه شك ولا تتسرب إليه ريبة..
في إحدى المرات وبعد انتهاء الزيارة خطر للمحبوب أن يرافقه حتى الباب امتنانا وغبطه فشعر بامتعاضه..
خطوتان إلى الخارج..خطوتان فقط أثارت سخط المُحب الذي التفت إليه غاضبا ثم قال
ـــ مكانك..لا تتجاوز حدك أرجوك ابق في الداخل..في الداخل فقط ولا شأن لك بما سواه وحسبك القبة والمئذنة والمحراب فإن فيها المتسع !

              (114)

تحية الصباح..
تحية المساء..
بل تحية كل آن..
هي وحدها التي كانت تقف ثابتة تنظر إليهم وهم يمرون..
هذا يقف متأملا هل طرأ عليه شيء من التغيير..
وذاك يخطف قبلة على عجل والبعض يُخرج لسانه ويشير به إلى الأسفل..
والبعض الآخر يعرض أشياءه ويتفقدها مطمئنا عليها وقبل ذلك يحرص أشد الحرص على أن يوصد الباب جيدا..
كانوا على يقين بأنها خرساء لا تسمع..ولا تتكلم
وكانوا يثقون بخرسها ثقة شاسعة لا حدود لها البتة..
لم يخطر ببالهم أبدا أنها ستبوح بالسر يوما وتخون..
هو وحده الذي غاب وأدمن الغياب منذ أن لاحت له الفكرة..
وعاد إليها بعد أن هجرها طويلا..
وفي خلوة تامة لا يكدر صفوها شيء أتاها من الخلف وهي واقفة في استسلام عجيب ثم مارس معها عشقه القديم بلذة لا تعدلها لذة فباحت له بكل شيء ثم انطلق ضاحكا وهو يحمل صيدا وفيرا من الأسرار لا يقدر بثمن !

               (115)

دخل مبنى صحيفة النجم الساطع مختالا محاولا فرض هيبته..
وعندما أخرج من جيبه دفتره الأزرق  المستطيل التهمته فلاشات المصورين..
في اليوم التالي خرج على قومه متصدرا صفحة كاملة من صفحات الصحيفة وهو في أتم زينته فهتفوا بقوة لزينته وتركوه عاريا يحاول أن يواري سوءته !

               (116)

حين كنا صغارا كانوا يخوفوننا به..
وكنت أعتقد جازما أنه نوع آخر من البشر..
وكان الصبية كلما رأوه يجرون خلفه ثم يرمونه من بعيد بالزجاجات  الفارغة محاولين قدر المستطاع أن تكون عن يمينه وعن يساره ظنا منهم أن ذلك يغيضه ثم يختفون في منعطفات الأزقة الضيقة..
الآن وبالرغم من مرور الأيام والزمن الطويل جدا أعجب كل العجب أنني مازلت أعتقد ما كنت أعتقده في الصغر فهذا الغليظ المتهور ما أن يظهر أو تظهر سيارته الغريبة حتى يفرالأمن من الشوارع والطرقات ويبدو الارتباك على الناس ويطل الخوف والرعب من العيون !

               (117)

كانا يتحدثان عن الضجة الأخيرة..
فقال لصديقه الجنرال :
النفي أو السجن يا سيدي كلاهما لا يمثلان حلا ناجعا..
– ما الذي يدور في ذهنك إذن ؟
– الاستئصال
والاجتثاث من الجذور..
ﻻتدعهم يفلتون يا سيدي فيكتبون مذكراتهم..
قال الجنرال وهو يبتسم بخبث : 
نعم الناصح الأمين أنت..
صدقت. ما أشد حاجتنا في هذه المرحلة العصيبة إلى المكر والمكيدة والدهاء..
ثم توالت الأحداث وجاءت الريبة تلقي بظلالها على كل شيء وتطرق سمع الجنرال بقوة وتلح عليه في لحظة خوف مرعبة أن يحذر..
لم يعد الجنرال يثق في أحد وبات يشك حتى في قدرته على الصمود فكان صديقه المخلص الأمين ممن طحنتهم رحى الظنون والشكوك واغتالهم الارتياب !

               (118)

في الصباح كنا نستمتع بالحليب..
وفي الضحى ذهبنا إلى المدرسة..
وفي الظهيرة لهونا كثيرا في دروب كثيرة..
وفي المساء تذكرنا شيئا مرعبا سمعنا عنه بكثرة.. 
ثم هجم الليل علينا فبكينا !

               (119)

طرق أبواب المدينة بقبضة يده في الساعة العاشرة ليلا فلم تُفتح له الأبواب..
جرّد سيفه ودخلها عنوة حينها كانت الساعة تشير تماما إلى العاشرة وعشر دقائق..
أعاد السيف إلى غمده ونام منتشيا حتى الصباح..
تمنى في قرارة نفسه لو يفتحُ في كل ليلة مدينةً جديدةً !

              (120)

أفقت من نومي فلم أجدها..
كان رأسي خاويا وفؤادي فارغا..
عيناي ليستا معي إنهما تدوران بحثا عن شيء ما شيء مفقود يستحق الفقد..
تلاقينا أنا وعيناي عند باب الخروج ثم خرجنا معا إلى الشارع..
بوصلتي كانت معطلة..
وعيناي لا زالتا تدوران ولكن بالقرب مني..
لماذا لا يسأل التائهون..؟!
بعد طول بحث كلفني الكثير من التعب والمشقة وجدت ضالتي في حديقة منسية في شارع خلفي.
كان لها الحق كل الحق في أن تتسرب مني وتمشي على رؤوس أصابعها وتهرب من سجني وتفر من حصاري.. 
ولو طلبت حق اللجوء إلى عدو أو صديق لعذرتها العذر كله..
ها أنا أعترف فلطالما ضيّقت عليها وحشرتها في ركن بارد متجمد يئن هو من شدة الصقيع..ولطالما أحصيت عليها أنفاسها..
أليس ذلك تعذيبا وقهرا ؟!
لا أخفي أني اشفقت عليها عندما رأيتها لاهية بل غائبة عما حولها تتنفس الحرية بشغف ..هي لم ترني بالطبع لأنها كانت غارقة في بحر عميق من اللذة
والانعتاق..
أشفقت عليها بصدق وتركتها وشأنها تغرف من الشوارع الخلفية والحدائق المنسية ما تشاء دون وصاية مني..
إنها حروفي الضالة !

               (121)

قال الطفل : 
عاريا أراه يا أمي لماذا لا يلبس الثياب مثلنا..؟!
ـــ اصمت يا ولد إنه يلبس أجمل الثياب وأفخرها..ثياب لم تنسج لأحد قبله..
ـــ يا أمي ..ألا ترين ؟
ـــ لا تكن أول الكارهين للزعيم يا ولد..
تدخل الأب هامسا في أُذن الأم :
ـــ يا امرأة..قولي غير هذا..هل يُعقل أن يتسرب
الكره إلى قلبه الصغير..إنه فقط على سجيته
ـــ يجب أن نحب الزعيم حتى ولو لم نر ثيابه عليه..هكذا أكد على ذلك كبير الوزراء في بيانه قبل الزيارة..وقال أيضا إن تلك المعجزة هي الحد الفاصل بين الحب والكره..ألم نأت إلى هنا من أجل ذلك..؟
ـــ على أية حال ستظل لنا رؤيتنا وللصغير رؤيته..
هيا إلى البيت فالآذان هنا دوما شدية الإصغاء حتى أنها تتنصت على دبيب النمل رغم كل هذا الصخب والضجيج !

              (122)

ـــ إني قلق يا مولاي..
الشعب بات يبتسم..
يضحك..
بل ويقهقه بصوت عال..
أصبح يا مولاي منتجا للنكتة بعد أن كان مستهلكا لها..
-- وماذا في ذلك؟ 
لابد أنه سعيد فهل تقلقك السعادة ؟!
-- لا أدري.. شيء مريب يبعث على الحيرة..
لم نعهد هذه الحال من قبل..
السعيد في اعتقادي يا مولاي غالبا ما يكون كسولا صامتا مدمنا للغياب ، لا يجيد فن السخرية ولا ينتج النكتة بل يستهلكها فقط.. ألا ترى كيف كنا نعاني منذ زمن بعيد من شح التنكيت فنستورد النكتة والطرفة من الخارج كي نقضي على الملل والرتابة ؟
إنها ظاهرة خطيرة يا مولاي وخطيرة جدا في اعتقادي !

               (123)

 كان التلميذ يتابع معلمه بشغف كبير..
وكان حريصا على لقائه كل يوم..
وكان المعلم مزهوا بتلميذه النجيب..
ومعجب بنفسه أشد العجب..
سأل تلميذه يوما :
هل ارتويت من عظيم علمي واتساع مداركي أم لازلت تطمع في المزيد ؟
صمت التلميذ..
طال صمته.. 
ثم هب واقفا فتناثرت أوراقه من بين يديه فلم يعرها أدنى اهتمام بل تركها مبعثرة على أرضية الفصل وغادر 
ولم يعد !

              (124)

قالت : 
أُحبك...
قال : 
وأنا أيضا..
قالت :
وبعد؟!
قال :
 لماذا قبل وبعد..
لم لا نهنأ بما بينهما وليكن بعد ذلك ما يكن !

               (125)

وقف حائراً حيال ما يحدث :
حاول أن يدرك ما جدوى حك الموضع الذي غادرته البعوضة قبل قليل؟
لقد انتهى كل شيء قبل أن يعي.. 
إنه إشعار يأتي متأخرا على الدوام فاقدا لقيمته !

              (126)

قال لها بعد أن ضاق عليها الاتساع :
قلما تتحقق الأمنيات كلها في انبلاج الصبح أو في صبوة الضحى..
ولكن قد تتحقق الأمنيات فيما قبل الغروب ولو بثوان قليلة !

               (127)

كأوراق الخريف كانوا أمام عينيه يتساقطون..
ينظر إليهم من عليائه منتصبا كالطود العظيم يهزأ بالريح
وبالمطر..
ظل شامخا يتلقى الضربات دون أن تلين له قناة..
ظن أنه الناجي الوحيد..
أليس الانتصاب سر العظمة والخلود..
فليبق واقفا وليهنأ إذن بالقوة والمنعة...
ولكن مابال هذه الأشجار الشامخة تهوي فجأة..
أقلقه الأمر وأصبح أسيرا ينتظر !

              (128)

كان الماء ينسرب من السفح في جدول صغير لم أعهده من قبل مما أغراني بصعود الجبل لاكتشاف هذا النبع الغريب..
عانيت كثيرا من المشقة فهذه المرة الأولى التي أصعد فيها الجبل منذ ثلاثين عاما  نسيت خلالها ملاعب الصبا وأول الشباب فلم تبق إلا الذكرى..
لم يعد الجبل فارغا كما كان من قبل فقد أصبح سفحه اليوم مكتظا بالبيوت ومن قمة الجبل رأيت أسطح المباني تعج بالمتناقضات..
ولكني رأيت شيئا عجيبا بدا يظهر جليا لعيني في تلك اللحظة ويتتابع ظهوره من سطح لآخر حتى عم الأسطح كلها..
كانت هناك شاشة عرض كبيرة تنبت من كل سطح وتستقر عند ارتفاع معين وكانت الشاشات جميعها تعرض صورة واحدة..
دُهشت من تلك المصادفة الغريبة وذلك الاتفاق العجيب..
نسيت النبع وبت أفكر فيما شدني وأذهلني في لحظتي الراهنة فالصورة الواحدة ظلت تهيمن على المشهد ولم تتغير حتى اعتراني الملل فغادرت المكان !
—--------------
نقل النص إلى الفرنسية
د. إبراهيم درغوثي "تونس"
و أ. سعاد بني أخي "المغرب"

               (129)

سقط كما تسقط الشهب وتتوارى في غور سحيق..
لم تكن إلا كلمة فانتحر كل مافيه وأمسى هو لا شيء بعد أن كان كل شيء.. كلمة قالها في لحظة ضعف أو في لحظة نشوة..
كانت تلك الكلمة بمثابة رصاصة الرحمة التي أطلقها على نفسه..
ليس يدري بعدها كيف يواصل الحياة ويواجهها من جديد في قابل أيامه !

               (130)

في السابعة صباحا أيقظه المنبه.. 
كان الحلم لذيذا..
هل يمضي إلى عمله أم ينعم بدفء الفراش الوثير؟
ظل السؤال يدور في أرجاء الغرفة والجواب يتعثر...
تقلّب يمنة ويسرة..
انتصب واقفا ثم عاد وجلس على طرف السرير..
هل ثمة سبب مقنع ؟!
بحث في أضابير الأسباب ..
فحصها جيدا ثم دنا منها أكثر عله يحظى بالقبول لكنها صدته بقسوة وجفاء..
امتطى صهوة العزيمة وركل الأسئلة ركلة أخرجتها من 
النافذة !

               (131)

ـــ إني مسافر..
ـــ وأنا كذلك..
ـــ يفعل الله ما يريد..
ـــ قد نلتقي يوما..
ـــ وقد لا نلتقي..
ـــ أليس ثمة شيء أكيد ؟
ـــ لا أظن ذلك !

               (132)

قال المريد لشيخه وقد بدا مترددا يعلو وجهه الشحوب ويطل من عينيه الكدر :
ـــ أيها الشيخ الجليل المبارك..
أيها الشيخ..
قال الشيخ مشجعا حاثا إياه على الكلام :
ـــ قل يا ولدي لا تتردد..
اثقب بدبوس الجرأة هذا الانتفاخ الكبير..دع الغمامة السوداء تنهمر مطرا..
قال المريد متنهدا وكأنه يزيح عبئا ثقيلا عن كاهله :
ـــ لم أعد أحتمل..
حُملْتُ ما لا أطيق..
إنه الهوى يا سيدي يصرعني تارة وأفر منه تارات.. 
قال الشيخ بهدوئه المألوف :
ـــ جميل..جميل
قال المريد مندهشا :
ـــ وما هو الجميل يا سيدي؟
ـــ جميل أن تلقى الهوى ولا تصد عنه.
ـــ كيف وقد بت أفكر في الاعتزال..
ـــ ذلك هو السقوط المريع..
اللقاء يا ولدي ثم اللقاء..وهل يكون هناك انتصارا دون لقاء !
ـــ اللقاء يا سيدي جحيم لا يُطاق..
ـــ اختر لنفسك أيها المريد إما اللقاء وإما الجحيم المقيم !

               (133)

جاءت في موكب بهي..
اضواء الكاميرات كانت تخطف الأبصار..
تجولت في المدينة..
انبهر الناس وتركوا عيونهم على ما ظهر من جسدها الباذخ ثم أخلوا لها المكان..
نظرة واحدة أحرقت بها كل النساء..
ارتادت كل الأسواق..
نفدت الحلي والمجوهرات والإكسسوارات والعطور والأقمشة..
كان الباعة في موسم حصاد لا مثيل له..
في الليل فتحت المراقص أبوابها واندفع الناس فحطموا كل شيء..
كانت ليلة مشهودة حتى القمر غسل وجهه عدة مرات ليراها جيدا..
سهرة ملتهبة ككرة من نار..
كاد الصباح أن يتخلف عن موعده..
وفي اليوم التالي أقفرت شوارع المدينة..
أغلقت الأسواق أبوابها..
هبت ريح قوية وراحت تكنس ما يصادفها من مخلفات الليلة الباذخة..
انتظر الناس أن تدب الحياة من جديد بمرورها مرة أخرى في موكبها البهي..
طال انتظارهم حتى دهمهم اليأس..
حل الخواء في نفوسهم..
قامت الصلاة..
وحين خرج الناس من صلاتهم وجدوا الشيطان يستجدي عند باب المسجد !

               (134)

كان يوم الأحد موعد العملية..
الهلع كان طاغيا..
خاف على نفسه كثيرا فتسلل هاربا دون أن يشعر به أحد..
في يوم الاثنين جاء إلى المستشفى مبكرا.. 
لم يكن يومه فانتظر ولما جاء دوره اعتذر الطبيب بحجة الإرهاق وكثرة العمليات..
يوم الثلاثاء نفدت خيوط الجراحة من المستشفى..
شيء لا يصدق..
فقد أعصابه..
ثار في الممرضات..
في موظفي المستشفى وخرج غاضبا..
لحقت به إحدى الطبيبات فامتصت بعضا من غضبه ووعدته يوم السبت..
ماذا يفعل في المستشفى عليه أن يعود إلى البيت..
كان حانقا..
هدأوا من روعه قليلا ثم صبوا على رأسه الحكم والأمثال..
وفي المساء دوت صرخة في الطابق العلوي..
كانت والدته واقفة تتوضأ..
نزلت كما هي إلى الأرض وغابت عن الوعي وأخيرا عن الدنيا..
الأربعاء والخميس والجمعة كان يتلقى العزاء..
يوم السبت كان في المستشفى..
دخل غرفة العمليات في موعده بعد أن جف شيء من دموعه !

              (135)

مرت الريح يوما ولم ينحن لها العشب..
توقفت الريح تنظر إلى ماحدث في دهشة وهلع شديدين لأنها أيقنت حينئذ بأن هناك شيئا خارقا للعادة قد حدث بالفعل فمنذ متى والعشب لا ينحني للريح إذا مرت !

               (136)

عندما جاءت اللحظة الفارقة وأصبح رئيسا للقسم الذي كان موظفا فيه كان اللقاء الأول بينه وبين ذلك الجمال..
ملمس ناعم وجسد لدن يتثنى !
أذهله السحر وأدهشه البريق فغاب في لذة فارهة..
كيف ضاع العمر هباء..
أمسك بتلابيب تلك اللحظة الشاردة التي كان يحاول اصطيادها منذ زمن بعيد ثم أضفى على نفسه هالة من ضياء ولمسة سحرية من بهاء وارتمى في الحضن الدافيء وأقسم أن يكون وفيا للأبد..وكان ذلك الحضن لا يستقر على حال فأطاح به وأسقطه من حضنه في لحظة ملل !

             (137)

‏خرج من بيته ونسائم الخريف تصافح خديه على استحياء وتبحث عن شعيرات في رأسه القديم جدا وهن آخر ما بقين من زمنه الجميل في زمنه المنهك هذا كي تداعبهن وتراقصهن..
لا يأبه الجائع لأي شي سوى ما يسد به رمقه إنما تلك المشاعر والأحاسيس الفارهة إنما هي للمترفين بعد الشبع.. 
قال ذلك في نفسه ثم انطلق سادرا في همومه وممعنا في أحزانه التي لا تمرض ولا تموت..

             (138)

‏"أنا أحب عائشة"
لم يقل سوى تلك العبارة القصيرة ثم أدار ظهره للجميع ومضى نحو الباب مسرعا تاركا الضجيج يعصف بمن خلفه..
وبعد أيام غاب فيها مغاضبا عاد إليهم وفي يده عائشة فبهت الذين لم يؤمنوا بالحق الذي كان ماثلا أمام أعينهم كالشمس في رائعة النهار وكفروا به نكاية بحب عائشة.. 
لاجديد يذكر في الحكاية..
ولكنه هو الحب يجدد يقظته..
يجدد انتباهه كي
يبرز عظمته ويغرس حضوره كراية سماوية علوية لا تسقط من القلوب أبدا ولا تغيب !

              (139)

وقال لنا الشيخ الحكيم في معرض حديثه إلينا وكأنه يشير إلى هامش ألح عليه معترضا بقوة :
لست أدري لماذا تخشون كلمة حب حينما تأتي إليكم صارخة..
 لكني أؤكد لكم جازما أنني لا أعني ذلك الحب الذي يتبادر إلى أذهانكم كلما ذكرت مفردة الحب صريحة مشرقة !

               (140)

لم يذكر البتة في يوم من الأيام أنه قال لي شيئا..
ولم يشعرني أيضا بأنه قد فرض سيطرته علي بكلامه دون أن أعي..
كان يقول ويقول..
كان محراث قوله يقلب أرض سمعي ويبذر فيها قوله..
أنا الذي أذكر أنه قال ولكني لا أذكر  إلا عندما يحل بي عارض من عوارض الحياة فاستدعي قوله.. 
ذلك هو معلمي الذي تركني في في متاهة استنباط قوله دون أن يعلمني كيف ولكني كنت أجد نفسي بارعا بلا عناء أو تكلف حين تفجأني العوارض فأدرك أنه قال لي شيئا يشبه ما أنا فيه أو كأنه هو هو وليس شيئا 
سواه !

              (141)

لم تكن تلك التي تقنع..
كانت ملولة حد الالتزام بالملل..
عنيدة تغلق أبواب سمعها أمام أي كلمة كانت من الممكن أن تعيدها إلى الصواب..
قال كل ذلك لنفسه كي يقنعها بعدم الالتفات وبعدم الاكتراث أيضا بما حدث..ثم مضى في طريقه لا يلوي على شيء !

              (142)

‏وأخذ يلوك قطعة كبيرة من الخبز الجاف بقوة وكأنه معها في معركة حاسمة حامية وهو ساهم ينظر  إلى الجدار المقابل وكأن نظراته قد اخترقت الجدار وانطلقت بحرية تجوب الفضاء الرحب..تنبه إلى الكتاب المطروح على الطاوله والذي لم يقرأ بعد..نظر إليه ثم تبسم ساخرا وقال في نفسه :
الفقير وحده هو الذي يشتري الكتب ويقتطع ثمنها من عدد أقراص خبزه وقوت يومه كله لذلك هو يقرأها بشغف واهتمام..أما الغني فهو مشغول بما يكدس من أموال وإن اشترى الكتب يوما فإنه يرجو بها شيئا من الوجاهة على أن تظل هي قابعة على أرفف التحف تعاني الإهمال وقلة الرغبة ونظرات الشفقة..
إن الأغنياء نادرا ما يقرأون ونادرا ما يضحكون.. إنهم سادرون في الغياب عن الوعي الذي يدمنه الفقراء والذي به يحيون ويشقون !

               (143)

كان الهلع ينتشر في المدينة كالحريق وكانت تؤججه رياح الإشاعات وتجعله أكثر اشتعالا..
كل من في المدينة انتفض عند سماع الخبر وكل من وجد اتساعا جرى مشمرا عن ساقيه طلبا للنجاة ما عدا قدميه ظلتا واقفتين ساكنتين..
وفي اليوم التالي كان الخبر محزنا و مخيبا للآمال :
 " لم ينج أحد.."

             (144)

اتخذ مكانه المعتاد ولم يكن حوله أحد فلم يجد إلا نفسه فراح يدير الحوار معها بصمت فأقبلت عليه مسرورة بتلك اللفته وبذلك الرضا..
هي كانت دائما تنتظر وتتشوف إلى أن يجري معها الحديث وكان يسرها أن يحاورها وتحاوره..
والنفس هنا قد تكون نفسه أو تكون نفس أخرى أخذت بالرضا عنده مكانة نفسه فأصبحت هي نفسه !

              (145)

برفقتها كان يجد سلامة قلبه..
تلك السلامة التي كانت تأبى الاكتمال مع غيرها..
حتى لقائه بها أول مرة لم يكن لقاء عاديا بل كان بالنسبة له سلامة قد أهديت إلى قلبه شعر بها لأول وهلة..
وقد تأكد له أن هناك صدق لم يزل يحيا بين الناس ولكنه صدق عزيز المنال كما ظهر له فيما بعد من خلال التجربة..
ولم يقل ذلك جزافا ولكنه قاله بعد أن محص قلبه وابتلاه ابتلاء صارما كيلا يقع في فخ العاطفة فتحكمه بقوتها وعنفوانها !

             (146)

قالت :
الذين مروا  بقلبي كالذين مروا بمحطة قطار... (أسعد) سكن فيه ثم ما لبث أن غادره..
رحل (أسعد) وبقي قلبي خاويا...
ثم جاء(محمود)
قلبي هو الذي ذهب إليه ودعاه فامتثل..
قلبي كان سكناً مريحا لمحمود ذلك ما كنت أحسبه  لكن محموداً كان يتطلع بشغف إلى الغرف الأخرى ويتخيل مذاقا مختلفا خلف تلك الأبواب المغلقة..
قلبي المفتوح لم يبق فيه أحد كلهم خرجوا كما دخلوا..
وأخيرا جاء حبيبي الجديد  فشعرت معه لأول وهلة بأنه أحبني بصدق لأنه أغلق الأبواب كلها وراءه فأغلقت قلبي عليه !

              (147)

عندما كان صغيرا كان يطيل النظر إلى الجبل فيرى السماء تلامس قمته..
فكر يوما أن يلمس السماء بيده أو بأي شيء آخر فأخذ جريدة نخل طويلة تحسبا لما لا تستطيع أن تناله يده أو لما قد ينتابه من ملامسة السماء بيده المجردة.. وتأهب للصعود.. كان الجبل ضخما عريضا عاليا و لكن من حسن الحظ أن سفحه كان ممهدا من كثرة الصاعدين والنازلين لأنه كان بمثابة اﻻطلالة الوحيدة بالنسبة لهم على العالم البعيد المغاير والمختلف بما تموج به المخيلة عن عمرانه وشوارعه وأهله وبما تراه العين من اللوحة البعيدة من تهويمات فتصنع من رؤيتها ما يعقل وما ﻻ يعقل من خيالات.. 
في منتصف السفح ألقى نظرة خاطفة على القمة وكأنه أستعجل الوصول فرأى السماء قد ابتعدت عنها قليلا فواصل الصعود حتى وضع قدميه على قمة الجبل ثم رفع رأسه وهو خائف أن تصطدم بالسماء.. ولكن الأمنية التي حملها معه في بداية طريقه إلى قمة الجبل رفرفت بجناحيها كحمامة ثم طارت مخلفة له أول الخيبات.. رأى السماء بعيدة جدا حيث ﻻ تجدي معها حتى جريدة النخل الطويلة وفقد اﻷمل تماما من ملامسة السماء بيده أو أي شيء آخر يشبه قريبا أو بعيدا جريدة النخل.. 
ومضى العمر كقطار يلهث خلف المحطات البعيدة وﻻ يكاد يقف ليستريح حتى يزعجه النفير لينطلق من جديد يكابد ألم اﻷنفاس المتقطعة جراء المسافات الشاسعة التي ﻻ تنتهي.. وكلما كبر وامتد به الزمن ضاق اﻻتساع الذي كان يراه في البيت الصغير و الزقاق الضيق الذي كان يعده ملعبا يصلح لأن يكون_في مخيلته_ مقنعا لمباراة في كرة القدم.. 
وقربت اﻷشياء البعيدة كلها إﻻ السماء فقد ازدادت اتساعا وبعدا وعلوا.. 
ولكن نسمة رقيقة فواحة الشذا معطرة اﻷعطاف تسللت إلى روحه فهزتها بلطف فتغلغل ذلك اللطف في روحه وقلبه واحتواهما حتى بات يرى تلك السماء البعيدة.. البعيدة جدا أقرب إليه الآن من حبل 
الوريد !

              (148)

هذا الصباح صباح آخر يختلف عن غيره تماما..
كأنما الزمن توقف وقفة قصيرة يلتقط فيها بعض أنفاسه..
نسمة منعشة صافحت خده جاءته من النافذة المشرعة..
انثالت على خاطره صور من الماضي..
كان يستمع إلى بعض البرامج التقليدية عبر الإذاعة التي ترافق رحلته المعتادة منذ أن عرف كيف يصحو مجبرا كل صباح..
(طريق النور)..(الأرض الطيبة)..(صباح الخير)..
كان يستمع إليها و في الحلق غصة وفي القلب خوف..
تلك الدقائق كانت تمر سريعة وكلما زادت سرعتها ازداد معها وجيب قلبه..
لا ينسى أبدا أنه كان يتلذذ بسماع البرامج نفسها أيام العطل الرسمية موهما نفسه أنه مقبل على الخروج ليسعد أكثر..
تلك أيام مضت..(يا صباح الخير يا اللي معانا) و (باب المصري بالمدينة المنورة) متلازمان..
(دستور يا الساحل الغربي) و (جبال عسير الشامخة ) متلازمان..
كيف يفصل بين المتلازمين؟
حاول كثيرا لكنه لم يفلح..
ألقى نظرة أخيرة على هندامه..
وضع شيئا من العطر الأثير على نفسه الذي لم يفارقه أبدا منذ أن فاحت رائحته وقالت رأيها فيه..
تبا لهذه الخواطر ..
منذ زمن بعيد لم يعد يقلّب صفحات المجلات القديمة..
تخلّص من الماضي بصعوبة ثم خرج..
في الطريق تذكر ابن السادسة الذي كان يقاد إلى المدرسة رغما عنه..
يستغيث ويستنجد ولكن ما من مجيب..
أرتال من السيارات 
تتسابق يضيق بها الطريق رغم اتساعه والزمن يجلدها
بسوط قاس لا يرحم...
سادة يركبون سيارات فارهة لكنهم في الحقيقة لا يملكون من أمرهم شيئا فهم عبيد خاضعون للساعة السابعة والنصف صباحا..
لماذا السابعة والنصف صباحا..؟!
سؤال لم يخطر على باله من قبل..
لا يهم فالأمر منذ اليوم لم يعد يعنيه...إنه يمشي متئدا لا يقلقه شيء..يتلذذ ويستمتع بمنظرهم وهم يتسابقون في صراع مرير مع الزمن..
وصل مقر عمله..سلّم على الجميع ببشاشة غير معهودة..
جلس في غرفة المدير...جاءت القهوة فشربها بسرعة...ضغط المدير زرا يطلب الشاي...تململ في جلسته...وكأن الوقت طال عليه ولكن..(لابد من المجاملة)
أطل الساعي يحمل الشاي..نظر إليه في رضا تام.. لأول مرة يشعر نحوه بالحب..
ارتشف كوب الشاي غير آبه بسخونته الشديدة..قام من مجلسه ليحث المدير على البت في الأمر..قام المدير هو الآخر واحتضنه في حب وسلمه مظروفا ودعا له بحياة سعيدة خالية من المنغصات..
تلجلج في الكلام...
خانه التعبير وخذلته دمعة فرت من عينيه فتحت الباب لجيش من الدموع الغزيرة ..استنجد بما تبقى من قواه...تمالك نفسه ثم أسرع في الخروج والمظروف بيده يكاد يئن من شدة قبضته..
في السيارة فتح المظروف وقرأ في الورقة الأولى:
الاسم..
مسمى الوظيفة..
رقم القيد في السجل العام..
تاريخ القيد..
تاريخ الانفكاك..
عاد إلى تداعياته القديمة :
( القيد..الانفكاك )
 أيضا متلازمان.. من باستطاعته يا ترى الفصل بين المتلازمين !

              (149)

في ليلة شديدة البرودة استيقظ من نومه وخرج من مخدعه يطلب الدفء..
في طريقه سمع همهمات تصدر من غرفتها..
وعند عودته والكأس في يده يرشف منها رشفة عجلى استوقفه صوتها الخاضع المتذلل..
وقف بالباب الموارب وأنصت إلى تضرعها وقد حال الظلام بينه وبينها :
 "بحبك لي اغفر هفواتي وتجاوز عن سقطاتي.. بحبك لي امنحني الرضا واجنبني السخط الذي لا أطيق .. بحبك الذي أعرفه حق المعرفة لا تدعني وحيدة أعاني العزلة والصد والهجران..
بحبك لي.."
ثم غابت في همهمات..شهيق وزفير وأنين متقطع مكتوم.. وبعد أن أفاقت من نشوتها الغامرة بادرها وهو يقرع الكأس ساخرا :
ـــ الله..الله .. ما هذا الدلال ؟! 
من أدراك بأنه يحبك كل هذا الحب..؟!
ردت في ثقة واطمئنان : 
ـــ إنه هو..هو من أيقظني لأدعوه واتضرع بين يديه.. 
وذلك قرينك من أيقظك 
لتشرب !

              (150)

" .....ويمرض كلبكم فأعود "
ما أروع الوفاء..
حيّاه الكلب الرابض أمام البوابة بحركة من ذيله ثم قام واقترب منه أكثر في ذلة وخضوع ومسكنة حتى كاد أن يلامس طرف ثوبه لولا أن ابتعد السيد عنه بحرص شديد..
عاد الكلب إلى مكانه راض بما قدم من فروض الطاعة لسيده ينتظر الفتات..
ما أسرع أن دارت عجلة الزمان وتغيرت الأحوال إلى الأفضل..
تركنا حينا القديم بعد أن بنينا لنا بيتا توافرت فيه كل مقومات الحياة الجديدة..لم ننس الكلب بالطبع أخذناه معنا بعد تنظيفه من أوساخ المستنقعات التي كان يتمرغ فيها وأعددنا له مكانا خاصا في الحديقة وأصبح طعامه يُشترى من أرقى المحلات التي تبيع أطعمة الحيوانات ضمن احتياجات الآدميين.. وتفوقت حياة كلبنا على حياة كثير من الناس..
باديء الأمر لم تبدو عليه السعادة فقد ظل قابعا في مكانه لا يتحرك
ولا يشتهي طعاما كأنما غلبه الحنين إلى مراتع الصبا في مستنقعات الحي القديم وترابه المعجون بالمياه الآسنة..
كانت الأرض التي أقمنا عليها بيتنا الجديد بعيدة عن العمران وحتى نحن أحسسنا بالوحشة والغربة والملل..
وبعد فترة ليست بالقصيرة تناثرت حولنا خمسة بيوت..
كنا متباعدين تماما في كل شيء لا يجمعنا سوى الطريق الذي تعرفنا من خلاله على الملامح فقط..
فكرة جيدة تلك التي تبناها السيد ونفذها على وجه السرعة فاختار قطعة من الأرض حاول قدر المستطاع أن تكون قريبة من الجميع وبنى عليها مسجدا..منذ ذلك الحين بدأنا نقترب من بعضنا فزالت كثير من الحواجز وذابت بعض الفوارق وتساقطت الأقنعة وعرفنا ألا مناص لنا من التآلف والتكاتف..
كلٌ أتى بكلبه..
نبحت الكلاب فأستأنس كلبنا وبدت عليه علائم الارتياح وأخذ يأكل بشراهة فودع القلق والاكتئاب وتنصل من حياته القديمة وبدأ يمد عينيه إلى أشياء لم تكن تخطر له ببال وتعارفت الكلاب وأصبحت تبعث بالرسائل فيما بينها عبر موجات الأثير..
ازداد تدليلنا للكلاب وتعلقنا بها فحملناها معنا في سياراتنا الفارهة ننظر إليها بإعجاب شديد وقد كبرت أجسامها وتضخمت رؤوسها وبرزت عضلاتها وكل ما فيها تغير بما لم نعهده من قبل في كلابنا الهزيلة..كنا ننظر إليها وكلنا فخر واعتزاز ونشعر بالثقة والاطمئنان وهي معنا تؤنسنا وتدفع عنا شيئا من الخوف ونحن نذكر" تعدو الذئاب على من لا كلاب له...."
كم كنا أوفياء مع الكلاب !
وفي ذات ليلة صيف كان الحر فيها لا يطاق والفجر لما يتفتق بعد تململنا في فرشنا الوثيرة ثم أفقنا على نباح متناغم على وتيرة واحدة..
في البداية لم نعر الأمر أدنى اهتمام لكن النباح عاد بقوة أشد من السابق فكان لابد من الخروج..نزلنا إلى الحديقة نستطلع الحدث..تفقدنا الكلب فلم نعثر له على أثر..كانت الأصوات تأتي من ناحية المسجد..
ذهبنا إلى هناك وكلنا حيرة فوافق وصولنا وصول الآخرين وكأننا على موعد..
كان المنظر غريبا عجيبا لم يخطر لنا ببال..
ستة من الكلاب المسعورة تحيط بالمسجد وتنبح بعصبية شديدة فتثير التراب بأقدامها والشرر يتطاير من أعينها..
وحين رأتنا مقبلين أخرجت لنا ألسنتها في استفزاز وتحد سافر كأننا غرباء ولم نلتق يوما..لم نصدق..ظننا أن هناك مايدعو لهذا الالتفاف حول المسجد..
بحثنا الأمر من جميع جوانبه فلم نجد سببا واحدا فالمسجد كان مغلق الأبواب محكم النوافذ وليس هناك ما يلفت الانتباه...
تكلم أحدنا وقال :
ــــ بم تفسرون هذا الذي يجري..؟!
مضت برهة والجميع تدور أعينهم هنا وهناك في ذهول واندهاش قبل أن يرد الآخر بسخرية :
ـــ إنها ثورة الكلاب السمان يا سادة..
تدخل آخر بحماس :
ــ غير معقول..
وأين وفاء الكلب لسيده ؟!
ـــ لا وفاء للكلاب يا سيدي..
كانت الكلاب في تلك اللحظة على خط واحد وكان واضحا أنها قد أعدت العدة وكأن كل شيء قد أعد للمواجهة بإتقان..
جاء السؤال من أكثر من واحد يحمل علامة استفهام واحدة بدأت تكبر وتتضخم..
ولكن ما الحل..ما الحل..؟
في غمرة النقاش وحدته انسل السيد دون أن يشعر به أحد ولم نره بعد ذلك إلا وهو عائد يخترق الزحام وقد أدار اللثام حول وجهه..
وبرز أخيرا أمامنا بكامل هيئته..كان يتمنطق حزاما أسوداً والبندقية في يده..كان متماسكا متزنا..
لقد بدا لنا رجلا آخر غير الذي كنا نعرفه من قبل !

             (151)

عاد العبد إلى سيده ثم وقف أمامه ذليلا منكسرا ولما تنقض ساعة واحدة بعد على عتقه فبادره السيد قائلا :
-- ما الذي جاء بك..
ألم تنل حريتك التي كنت تريد ؟ ها قد تحقق حلمك الذي سعيت من أجله وظللت تطالب به ليل نهار فماذا بعد؟!
-- لم تكن حرية تلك التي منحتني إنما هي شيء آخر لا أكاد أعرف له معنى..
-- وماذا بوسعي أن أفعل؟!
-- أعدني إلى رحابك يا سيدي..
أرجوك أعدني فما أصنع بحريتي المزعومة هذه وها أنت تراني حائرا لا أعرف من الجهات سوى الجهة التي تجذبني إليك !
-- عجبا..وتعود تطالب من جديد !
-- لا عليك ياسيدي..لن أطالب بها أبداً بعد أن عرفت بأن الطلب استجداء..
والاستجداء عبودية لا يمنح حرية قادرة على البقاء !

             (152)

الصباحات منذ خلقت كانت كل يوم تطل كما هي من قبل..
ولكن صباح هذا اليوم رآه مختلفا جدا..
حين خرج من بيته لم تكن الشمس مشعة بل كانت دائرة مرقعة ببقع سوداء..كانت تبدو لعينيه ككرة قدم تدور في الفضاء..
رؤوس المارة..
عيونهم..اطارات السيارات..
مصابيحها..طاولات المقاهي..
أباريق الشاي..أكواب القهوة..
حقائب التلاميذ..ذلك كله كان يتراءى لعينيه كرة قدم.. مسح على عينيه..اغمضهما قليلا ثم فتحهما فلم يتغير شيء..
ترك الشارع وعاد إلى بيته فوجد الشارع كله بطوله وعرضه متكورا أمامه في المدخل يحجب الرؤية عن كل ما عداه !

              (153)

في الصباح نسي وجهه في المرآة ومضى مسرعا..
في المساء وقف أمام المرآة متأنقا بكل هدوء وروية وحرص كل الحرص أن يأخذ وجهه معه ثم خرج..
بعد وقت قصير تفقد وجهه في فلم يجده..
أسرع عائدا إلى البيت..
وجد وجهه هناك منتصبا في المرآة لم يبرحهها..
أيقن تماما أن عليه الخروج متى ما أراد دون الالتفات إلى ذلك الوجه العاق !

              (154)

ارتعاشة أولى..
ارتعاشة ثانية ..
ارتعاشة ثالثة..
ارتعاشات ثلاث أطاحت به.. اتسعت عيناها وخرج هو منهما ضئيلا كدمعة لم تكتمل..
تذكرت هيئته عندما جاء فقد ضاق به الباب وضاقت عيناها على أن تحتويه..
دخل مزهوا بابتسامة جعلتها تغرق في لجة الارتباك..كانت خائفة ذليلة حين أقبل منتصبا كثعبان الكوبرا..
وحين أدبر كان الثعبان حبلا باليا !

              (155)

انهالت عليه الضربات من كل اتجاه فأصبح لا يدري أيها يصد وإن كانت جميعها غير قابلة للصد..في الظلام الشجاعة عمياء..عليه أن يغطي عينيه  ويحجب ما بقي من الرؤية لكي يطرد شيئا من الخوف. الزجاجات بلا رؤوس كانت تنغرس في جسده..
الدم يشغب..
يفر من العروق..
كل شيء هرب من حوله حتى الظلام تلاشى..
وعندما لعلع الرصاص كان الجنون أهون عليه من ذلك..
ليت عقله فر هو الآخر..
قال له : 
لماذا تبقى معي؟
انجو..
هيا تحرك..
دعني وحيدا..
إنك السلاح الأخير الذي سوف يجهز علي..
لماذا تصر على البقاء؟!
إني أشكرك..لست في حاجتك الآن..
أرجوك يا صديقي تخل عني ولو برهة من الزمن..
لا تجعلني أشك فيك..
وعندما لم يسمع جوابا صرخ في وجه الأشياء : 
هي الخيانة إذن.!

            (156)

أفقت من نومي فلم أجدها..
كان رأسي خاويا وفؤادي فارغا..
عيناي ليستا معي إنهما تدوران بحثا عن شيء ما شيء مفقود يستحق الفقد..
تلاقينا أنا وعيناي عند باب الخروج ثم خرجنا معا إلى الشارع..
بوصلتي كانت معطلة..
وعيناي لا زالتا تدوران ولكن بالقرب مني..
لماذا لا يسأل التائهون..؟!
بعد طول بحث كلفني الكثير من التعب والمشقة وجدت ضالتي في حديقة منسية في شارع خلفي.
كان لها الحق كل الحق في أن تتسرب مني وتمشي على رؤوس أصابعها وتهرب من سجني وتفر من حصاري.. 
ولو طلبت حق اللجوء إلى عدو أو صديق لعذرتها العذر كله..
ها أنا أعترف فلطالما ضيّقت عليها وحشرتها في ركن بارد متجمد يئن من شدة الصقيع..
ولطالما أحصيت عليها أنفاسها..
أليس ذلك هو التعذيب 
والقهر ؟!
لا أخفي أني اشفقت عليها عندما رأيتها لاهية بل غائبة عما حولها تتنفس الحرية بشغف ..هي لم ترني بالطبع لأنها كانت غارقة في بحر عميق من اللذة والانعتاق..
أشفقت عليها بصدق وتركتها وشأنها تغرف من الشوارع الخلفية والحدائق المنسية ما تشاء دون وصاية مني..
تلك هي حروفي الضالة !

             (157)

نظر في ساعته..
كانت الدقيقة الخامسة والخمسين حين التقاها أول مرة..
كان يشكو من الوحدة والرتابة.. وجد فيها شيئا مختلفا فارتاحت نفسه وسكنت..
كان يخشى أن لا يجد ذلك الشيء..
طالما أرهقه البحث عن الاختلاف..
كانت هي الأخرى تبحث عن شيء مختلف..
اتزان وحيوية صفتان مفقودتان في كثير ممن التقت بهم ..
رغم التماثل في العمر تمنى لو كان اللقاء مبكرا..
تذوق قهوة الصباح الممزوجة بالحليب..
عادت الدقائق إلى الخلف عودة شعر بها واستيقنها..
الآن فقط ظهر له صحة ما كان يدور بين الأصحاب من أن التغيير واللذة صنوان..
هل أمسك بطرف الخيط ؟ 
هل هو على موعد مع حياة جديدة كانت بالنسبة إليه ضربا من الخيال؟!
كلما اصطدنا أمانا أطل الخوف برأسه ليذكرنا بوجوده..
كان قد مل الولد واستنفد بهجته..
وكانت هي تتشوق لمعانقة ذلك المجهول.. 
هل خُلقت الأشواك عبثا ؟
كيف يكون الجمع بين الرغبتين..؟
هذا اختلاف مختلف لم يخطر له على بال..
بقيت غصة هنا وغصة هناك..
وعاد ما كان يشكو منه طافيا على السطح يؤرقه من جديد !


             (158)

جاء إلى البيت ومعه رجل وامرأة..
كان في البيت امرأة تنتظر..
الرجل تولى أمر تغيير الباب
والمرأة تولت أمر المرأة..
أما هو فانطلق إلى غرفة النوم وأفرغها من كل محتوياتها  ووضع كل شيء في أكياس النفايات ثم قذف بها من النافذة..
ثم جلس على أحر من الجمر منتظرا فراغ الرجل والمرأة ليحيا حياة هانئة وعصرجديد !

             (159)

بعثت إليه تقول :
مازلت أذكر ومن المستحيل أن أنسى حتى لو أردت..
كانت قبلة شهية معتقة وكأنها صبت من أعماق قارورة ظلت مدفونة في صدري تلك هي القبلة التي غبنا فيها أنا وأنت عن الوجود أنا لما التقينا أول مرة..
كان الضجيج يملأها والرواء يمنحها الحياة ويراهن على البقاء..
توالت القبل بعد ذلك بنشوة صارخة ملتهبة لا ينطفئ لها إوار.. ثم خفُت صوتها شيئا فشيئا حتى  تلاشت حدتها ثم امتزج حليبها بالماء..
انتظرت أن تعود إليها الحياة..
أغمضت عيني لعلي أشم الرائحة وأنتشي باللذة وأسترجع النكهة المفقودة..
انتظرت طويلا..طويلا
واشتعل انتظاري ثم احترق بنار الحسرة فهلا أتيت لنروي عروق الأمنيات أم أن الأمنيات تأبى علينا المجيء..أم أن كل ماض جميل أقسم ألا يعود !

              (160)

خرج من النافذة بالرغم من أن الباب كان مشرعا...
بات يحب الأشياء الضيقة..
لم يعد يطمئن للشوارع الواسعة ولا للساحات الرحبة والميادين الفسيحة..
تلك الأفواه المفتوحة يهرب منها كيلا تبتلعه..
والثقوب الصغيرة الضيّقة أصبحت تنال إعجابه ويستمتع بمرآها ويطيب له التعامل معها..
لها نكهة مدهشة ولذة لا تقاوم..
هو يحاول أن يؤسس لنفسه مبدأ الانطلاق من الثقوب الصغيرة بل الدقيقة جدا وهو يحاول أو بالأحرى يجاهد ولكنه يعاني صعوبة الحصول عليها..
ماذا يفعل والاتساع يضيق بها و يهيمن فارضاً سطوته !

             (161)

أفقنا ذات يوم وقد هوى بعضنا ووقف البعض الآخر على الحافة ينتظر..
كان السؤال يدور باندهاش عجيب :
كيف يمكننا العبور إلى الضفة الأخرى ؟!
من ذلك الكائن الفضائي الذي ابتلع الجسر العظيم في غفلة من الزمن ..
ألم يكن الجسرهنا بالأمس شامخا متربعا على عرش الوادي ؟!
وبعد أيام قليلة جدا نبت القصر ثم استوى وتمددت فروعه حتى أظلت الوادي ونحن مازلنا وقوفا ننتظر !

             (162)

لاحظ التلميذ الجديد ذات يوم أن في المدرسة غرفة مغلقة لا تفتح أبدا..
فسأل عنها معلمه متعجبا فأجابه المعلم :
ـــ ألم تر اللوحة الصغيرة المعلقة هناك في الزاوية المظلمة؟!
-- لا
-- إنها مكتبة المدرسة يا بني..
ـــ ولكن لم لا تفتح يا سيدي ؟!
أجاب المعلم :
ـــ رأى المدير بعد تبصر شديد أن فتحها يربك نظام المقرر المرسوم بعناية وقد يصادمه في كثير..وهكذا ظلت مغلقة !

               (163)

خرج من النافذة بالرغم من أن الباب كان مشرعا..
بات يحب الأشياء الضيقة..
لم يعد يطمئن للشوارع الواسعة ولا للساحات الرحبة والميادين الفسيحة..
كان يهرب من تلك الأفواه المفتوحة.. يهرب منها كيلا تبتلعه..
وكانت الثقوب الصغيرة الضيّقة تنال إعجابه منذ أن وعى ذلك الضيق الذي قد أحاط به كما أنه يستمتع بمرآها ويطيب له التعامل معها..فهي ذات نكهة مدهشة ولذة لا تقاوم..
هو يحاول أن يؤسس لنفسه مبدأ الانطلاق من الثقوب الصغيرة بل الدقيقة جدا وهو يحاول أو بالأحرى يجاهد ولكنه يعاني من صعوبة الحصول على أي تقدم يذكر..
ماذا يفعل والاتساع بات يضيق بها و يهيمن فارضاً عليها سطوته !

               (164)

ليس له أن يشكو..
هل يشكو نفسه لنفسه..
تعالت الأصوات ثم خرجت من الأبواب تجري.. 
كل واحد في طريق... 
صوتخ الحزين هو الذي بقي وحيدا..
نظر من النافذة..
شاهد الجرأة تنطلق في الشوارع..
تمنى أن يلحق بهم ولكن القرار لم يكن جاهزا..كان مثله ينتظر..
غابت الأصوات عن مجال السمع لديه..
عاد ليتابع نفسه..
الغياب يعني الوصول..
لن يصل حتى يفارق الحزن..
إلى متى يبقى الحزن جميلا في نظره ؟!
لم يتلق جوابا مقنعا !

             (165)

انتعل حذاءه الأنيق ومشى به على دروب كثيرة..
أرهقه الترحال وأدركه التعب..
أساء الظن في حذائه..
تخلص منه ورمى به بعيدا فتعلق بغصن شجرة وانتعل هو حذاء آخر ليشاركه ما تبقى من الطريق..
مر الناس بالشجرة..
سمعوا نحيبا وأنينا ورأوا عيونا دامعة وأنفا نازفا..
كانت الوسامة والوداعة تطل من تحت ستار الحزن رغم الأوحال والمستنقعات التي خاضها مع صاحبه..
لقد رأى المارون والمسافرون على الطريق أول حذاء يدرك أنه مجرد حذاء للاستعمال فقط ثم يرمى به ليصبح في العراء وحيدا نهبا للأحزان وعواء الرياح حتى  يبلى..ولكن نحاتا مر من هنا فأوجعه ذلك النحيب فصنع للحذاء الباكي الحزين  نصبا تذكاريا ثم غادر وبعد ذلك توالى ركب الأحذية التي مرت من أمام النصب ولكن أحدا منها لم يدرك ولم يلتفت لفظاعة تلك المأساة !

              (166)

أفاق على دوي هائل في رأسه..
مطارق من حديد تدق ومعاول تهدم الصرح الذي خُيّل إليه أنه بناه وحده..
هكذا كان الخيال والزيف الذي لونه له الوصوليون والتابعون من ذوي المصالح الخاصة بألوان جميلة زاهية..
الآن حان القطاف ودنت ساعة الصفر..
لقد استطاعوا أن يفرغوه من محتواه ليبقى خاويا..
الخواء يعني السكون..
الصمت المطبق..
فقدان التوازن..
الذهول والرعب من المجهول..
ذلك هو الهدف الذي رسموه وظلوا طويلا يسقونه بماء الصبر وقد بدأ يتحقق لهم..
وأصبح الزعيم يعرف شيئا جديدا لم يعرفه من قبل..
فقد سيطرته على نفسه..
وأخيرا ظهر ما كان يخفيه من خوف..
لقد تمكنت منه النهايات وبات كالذبيحة يتلوى وينتظر من يقدم ويجهز عليه بسكين الرحمة !

             (167)

تلك النافذة العتيقة مازالت تتكيء على الجدار المتهدم وكأنها معلقة في الفضاء بين السماء والأرض..
إنها تعيش صامتة حزينة تجتر ذكريات جميلة محتها الأيام إلا من ذاكرتها الحية.. كانت ملهمة العشاق ومهوى أفئدة المحبين في الزمن الغابر.. 
كم يؤلمها ويحز في نفسها أن ترى اليوم زهد الرجال والنساء في ذلك الحب النببل.. كانت شاهدة على حب الشباب والكهول والشيوخ..
كانوا جميعا يعبون من نهر الحب ولا يدعون كؤوسهم أبدا فارغة..
وقد كان الحب في ملتهم اكسيرا لقلوبهم يمنحها الفتوة الدائمة..
وخلفها في ذلك الزمن كانت تقف "أمينة" مثل الفنار تهدي الضالين والغارقين في متاهات النسيان بشعاعها الساطع إلى شاطيء اللذة والفرح..
ولا زال عطرها يفوح كلما مسه نسيم رقيق..
وكان "سامح" هو الحبيب وكان الباقون راقصون فقط..
شجاعة سامح و أمينة كانت شجرة مثمرة.. 
لم يكن هناك مجال للتردد..
أشعلا نار الحب من خلف النافذة ومن بعدهما انطفأت الشعلة وأغلقت النافذة إلى الأبد..
 إنها تنظر إليهما الآن وهما يمران بعد أن هجراها زمنا طويلا..
إنها تراهما ولكن هناك شيئا ما لم تعد تراه فيهما..
إنهما الآن كسائر المارين..
إنهما لا يلقيان إليها بالا وكأنها لم تكن يوما ذلك الملهم لحبهما العتيد لذا فهي اليوم حزينة تعيش في اكتئاب مرير تصارع السقوط !


             (168)

كان عاشقا للكاميرا..
وقد بدأ العشق معه مبكرا جدا..
كان يحاول أن يصور الآخرين على طبيعتهم وأولى ذلك اهتماما يفوق معلوماته الشحيحة في فن التصوير وقواعده ويفوق أيضا خبرته القليلة..
وكان يعطي الكاميرا لمن يثق فيهم شيئا قليلا لالتقاط صورا له في مناسبات عدة وأوضاع مختلفة وهو يمني نفسه بأن يحظى بلقطة فنية فارهة أولقطة عفوية بسيطة ترضي بعض غروره..
جمع صورا كثيرة تحكي مراحل حياته كلها بحلوها ومرها ثم أودعها خزانته..
اليوم وهو في خريف العمر فك أسرها ونشرها أمامه وراح يثبتها على لوح خشبي دون ترتيب ثم علقه على الجدار..
تأمل الصور بميزانه الجديد ونظرته الثاقبه.. خاب أمله في الآخرين..
رأى صورا لا تليق به..
صورا باهتة لا طعم لها ولا لون..
لم يستسغ تلك التفاهة ولا تلك السذاجة والرعونة..
ضاق بها ذرعا وأشاح بوجهه عنها بعد ان تملكه الغثيان والقرف ثم أخرج مسدسه وأغمض عينيه وأخذ يطلق النار على صوره بلا رحمة... ولكن صورة كان قد رآها من قبل علقت في خياله وأبت أن تفارقه كان يبدو فيها مبتسما بعفوية لا حدود لها أيقظته من جنونه..
فتح عينيه ثم أعاد النظر إليها مجددا..
لمح فيها رجاء صارخا لا يخيب وحيوية نابضة..
توقف قليلا ونحاها جانبا ثم أجهز على ما تبقى من صور !

             (169)

في ليلة باردة كان الأرق فيها شامخا كتبت تقول :
غاب عني بعد أن خلّف وراءه تركة ثقيلة وأورثني هما لاأستطيعه..
تغلبتُ على مشاكل الأولاد وشظف العيش ومرارة غيابه التي أصبحت طابعا ملتصقا بلساني..
وجدت حلا لكل ما صادفني بعد فراقه من صعوبات..
كل شيء تعلمت كيف أتعامل معه حتى العناء تعايشت معه وجعلت منه صديقا ودودا إلا شيئا واحداً عرفته الآن حين تذكرتُ حديثاً دار بيني وبينه ونحن ننعم بساعة صفاء من وقت مستقطع قلما أفوز به من نهاره أو ليله الذي بذله لهم..
ــــ ساعة واحدة حتى ولو كانت ملأى بالحب لا تكفي..إنهم يأخذون أكثر..
ــ أتحسدينني أم تحسدينهم؟
ــ بل أحسدهم وأنت أدرى بذلك..
ــ قدري..ماذا أفعل؟
ــ قدر جميل تسعدُ به أنت و نكتوي نحن بناره..
ــــ هل تحسبينه حملا هينا ؟
عرفتُ الآن أن الحمل ليس هينا كما قال لي وأن التركة ثقيلة جدا لا يمكن تحملها..
لم يترك لنا شيئا مما يتهافت عليه الآخرون..ترك لنا فقط محبة الناس ذلك هو تراثه العظيم الذي خلفه فأرهقنا به و حملّنا مالا نطيق..
كم أتعبنا ذلك الرجل فعجزنا أن نجاريه واكتفينا بما ترك لنا من سمعة طيبة هي كل سعادتنا بعده ولكن يظل الحمل ثقيلا جدا ويزداد ثقلا كلما تقدم بي العمر! 

              (170)

‏أمسى وحيدا ليس لديه ما يؤنسه..
نظر إلى المدفأة..
اختفت النار تماما تحت الرماد..
الغرفة تعرت أمامه..
هزت رأسها..
نفضت عن قدميها كل ماعلق بهما ثم خرجت إلى الشارع..
الشارع لملم أرصفته وأطفأ مصابيحه واقتلع أعمدتها ثم غادر المدينة..
الليالي والأيام بدلت ملابسها وألوانها ثم رحلت هي الأخرى..
لم يبق شيء..
امتد هو طولا وعرضا عله يصطدم بشيء ما..
بحث عن الأبواب..
عن النوافذ..
عن الجدران فأيقن أنها رحلت هي أيضا..
لم يعد امتداده يرتطم بشيء..
ظل يمتد في الفراغ..
كان يرجو أن يجد شيئا يلامس جسده..
الجهات الأربع أصبحت تمتد معه..
شعر بخيانة الأشياء..
غادرته كلها بلا استئذان حتى رأسه غادرت كتفيه دون أن يشعر بها فأمسى يتحرك وحيدا بكتفين يتشاجران بلا رأس تفصل بينهما !

             (171)

كان عربيدا داعرا ضال العقل غائب الوعي..
كان حجر عثرة في الزقاق الضيق من الحارة يندر ألا يرتطم به أحد..!
غاب طويلا ثم عاد..وفجأة أسس في الزقاق الضيق مكتبة فصار الزقاق شارعا واسعا..
وأصبحت الحارة مدينة كبيرة رحبة !

            
           (172)

ذلك الرسام قبل أن يمسك بالريشة ظل طويلا يبحث عن فكرة..
أمسك بالريشة جاءته الفكرة على عجل وألحت عليه بقوة..
رسم كرسيا مقعدا وفي زاوية الظهر اليمنى رسم قفلا صغيرا مائلا ..
وتحت رجل الكرسي المستطيلة رسم بندقية وجعل كعبها يلامس الكرسي..
وضع في مقدمة البندقية سُنتين..
علّق اللوحة على الجدار..
ثبّت عينيه على الزناد وراح ينتظر..
طال انتظاره..
أدركه الملل..أطلق الرصاص بلا هوادة على ذلك القفل الصغير..
ترك عينيه معلقتين وراح يتخبط..
يسير بلا عينين !


             (173)

أخرج من جيوبه كل الأوراق المهترئة التي كانت تعيش بأمان في زواياها المظلمة..
منذ اليوم لم يعد بحاجة إليها وقد أرهقه من قبل الاحتفاظ بها ونقلها من مكان إلى آخر ..
حتى الذاكرة أفرغها والقلب أيضا..
نسي كيف كان يتكلم..
كيف كان يمشي..
كيف كان يأكل..
بل كيف كان يفكر..
إنه يولد من جديد
فارغا إلا من ملذاته.. 
لم يعد محتاجا إلى الانشغال بشيء بعد أن أصبح هو السيد ولم يعد عليه فعل شيء فكل شيء يفعله العبيد..
حتى ضحكاته باتت تخرج عارية لا يسترها شيء..
تخرج صارخة قوية يردد العبيد صداها منتشين بوقعها الرنان على أسماعهم..
 وبدا اليقين  يفرض سيطرته عليهم بأن كل ما يقوله السيد أو يفعله هو في اعتقادهم عجب لا ينتهي وجديد لا يبلى !

             
          (174)

‏قال لشيخه في ذهول :
ما الذي يحدث لناس هذا الزمان..
أطرق الشيخ مليا ثم قال :
تجرأ كثير من العباد على العناد واستسلموا للذة النكاية ببعضهم  البعض فعم الأرض الفساد !

           
             (175)

قال : 
كم الساعة الآن..؟
قبل أن أجيب واصل كلامه بسرعة خاطفة : 
أظنها السابعة..أليس كذلك..؟!
نظرت في ساعتي كانت الثامنة تماما ونظرت إلى معصمه فوجدته فارغا !

         
          (176)

ملاحظة كاد أن ينساها 
الكاتب :
حين أنهى ترتيب مجموعته القصصية تذكر ملاحظة كتبها في مفكرته من قبل وحاول أن يجعلها نصب عينيه : 
"لا تنس رشيد.."  
رشيد قرأ قصة قصيرة جدا لا تكاد ترى في زاوية  قصية في ملحق ثقافي عمره قصير جدا ــ لا يتعدى خمس ساعات فإن لم يُقرأ خلالها لن يُقرأ أبدا ــ يهيمن عليه الوجهاء والمقربون وعلية القوم حتى باتت صفحاته وكأنها وحدات سكنية للتمليك..كانت القصة التي قرأها رشيد فأعجبته لكاتب مجهول لم يسمع به من قبل..
رشيد تجشم المشقة وخطر له ما كان نادرا أن يخطر ببال أحد..
جاء بورقة وقلم وتكرم بإبداء إعجابه كتابة..
ومن حقنا أن نسأل من أجل من  تجشم رشيد تلك المشقة فكتب كلمات الإعجاب ثم وضعها في مظروف وخرج من بيته قاصدا مكتب البريد..؟! 
لسنا نعرف قدر المسافة التي قطعها رشيد ليبعث برسالة إعجاب لكاتب غير معروف.. 
ألا يستحق رشيد الإهداء من ذلك الكاتب المجهول..؟
لذلك كتب بعد الذكرى :
إلى رشيد الذي لم ألتق به يوما وأرجو أن أراه..
اعذرني يا رشيد لا أملك غيرهذا الإهداء فبذلته لك !


—--------------------------