الاثنين، 1 يونيو 2020

صناعة الدهشة


صناعة الدهشة..
كلما ظهر ابتكار جديد في اﻷسواق العالمية وسمع به قومنا عقدوا العزم على اقتنائه وإذا وصل إليهم بادروا إليه وقد أسروا في أنفسهم "هل يراكم من أحد" ثم تراهم يقفون في طوابير طويلة يسعى كل واحد منهم جاهدا أن ينال قصب السبق في امتلاكه ..حينها ينقسم المجتمع إلى فئتين:
فئة تتفكر في ذلك اﻻبتكار أو ما جد فيه من جديد وتتعجب وتندهش قليلا ثم تنسى..
وفئة ﻻ يعنيها التفكر وﻻ يخطر لها التعجب واﻻندهاش على بال ..
الفئة اﻷولى كادت أن تنشط مداركها وتتفتح ولكنها نكست على رؤوسها وعادت سيرتها اﻷولى كمستهلك يتعبه التفكير وﻻ وقت لديه يضيعه في الدهشة..
والفئة الثانية قد ران على قلوبها اﻻستهلاك وختم على سمعها والبصر فهي أشد انغماسا فيه ..
ولكن ما أحوجنا إلى فئة ثالثة تفعل الدهشة وتصنعها فاﻻندهاش دونما إدراك لما وراء الدهشة و عدم محاولة سبر أغوارها وفك طﻻسمها هوفعل سلبي ﻻ يأتي بخير..أما فعل الدهشة فهو أن تتفكر وتتدبر وترسل بصرك إلى البعيد وتزوي مابين حاجبيك وتحاول قدر المستطاع استمطار اﻷسئلة وطرحها ثم تفكيكها لتكون عرضة للإلهام حيث تتفتق اﻷفكار وتزول عنها الحجب..
إن من يفعلون الدهشة ويصنعونها ليسوا من كوكب آخر غير كوكبنا الذي نعيش فيه..؟!
فمتى نصنع نحن الدهشة ونبهر بها اﻵخر كما ابهرنا هو بصناعتها فادهشنا..؟!
حتما لم نخلق للاندهاش فقط وإنما خلقنا للتفكر إما لنؤمن باقتناع وإما لنبدع بإتقان فمن المؤكد أن لدينا العقول ولدينا اﻹمكانات التي غالبا ﻻ يفرج عنها فيحال بينها وبين من يريد استثمارها والتي قد ﻻ تتوفر عند غيرنا بل قد تكون عنده أمنيات حالمة يتمناها فﻻ يجدها..!!
إذن ما الذي ينقصنا..؟!
في اعتقادي إن أهم ماينقصنا الحرية..الحرية السياسية تحديدا فغيابها يضع العراقيل أمام تقدمنا ويحرمنا من مواكبة العصر الحاضر ويحيد بنا عن ركبه فاﻷنظمة في عالمنا العربي تتدخل في كل شيء حتى بتنا نخشى أن يزين لها وسواسها الخناس فيحرضها لترتب لنا كيف تكون أوضاعنا في غرف النوم حسب رؤيتها ومزاجها و بجدول معتمد منها..
إنها تخشانا وتخشى إبداعنا الفكري والصناعي وتخشى أن نظهر في اﻷرض الفساد كما قال فرعون وتوارث قوله كل الفراعنة من بعده..والفساد في مفهوم الفراعنة الجدد هو كل ما من شأنه مناهضة مصالحهم الخاصة.. إذن فهناك انفصام واضح بيننا وبين السلطات التي تحكمنا فهي لم تعي من السياسة غير"فرق تسد" و "جوع كلبك يتبعك" مع اﻹعتذار لشعوبنا العربية البائسة..بالله كيف يتسنى للإنسان العربي أن يبدع وهو في نظر كثير من أنظمته مجرد " كلب " أجاركم الله وجائع أيضا أو باﻷحرى مجوع.. متعب منهك مهلهل اﻷوصال ﻻ وقت لديه للتفكير ..كيف له أن يبدع ويصنع الدهشة فيدهش وهو يسابق الزمن في صراع مرير للحصول على كسرة خبز يقيم بها أوده وحيث ﻻ استقرار وﻻ هدوء وﻻ أمان إﻻ سويعات يرتاح فيها قليلا ويرمم ماانهدم من جسده ليدور بعدها - في معترك الحياة- دوران الساقية والرحى.. ناهيك عن بقية اﻷحمال واﻷثقال التي ينوء بها كاهله و التي من كثرتها يصعب عدها وحصرها.. علاوة على الجوع الثقافي الذي فرضه المنع والحجب والحصار ..
عقل خاو وجسد منهك..جهل ومرض وجوع وكل ذلك نتاج ثمرة الغياب..غياب الحرية..
فالدهشة ﻻ تزدهر إﻻ في مناخ استوائي يمطر حرية طوال العام..
لقد أشغلوك ياسيدي المواطن بالجوع والتشرد في اﻷنحاء واﻷرجاء تبحث عن لقمة عيش ووطن تسكن إليه لتخرج مهاجرا مقهورا أو لتبقى داجنا ﻻتخطر لك الحرية على بال وكلما سألك أحد :
كيف الحال..؟
أجبت ببراءة ساذجة وكأنك حيوان في مزرعة السيد:
"في خير حال.. آكل وأشرب.."
وهل يفعل الحيوان ياسيدي غير ذلك..؟!
وإن تفضلوا عليك بنظرة فتوسموا فيك شيئا من إبداع أو آنسو منك نشاطا وحيوية وضعوا لك عصا اﻹغراء في عجلة حيويتك ونشاطك فأغرقوك في بحار اللذة وحبسوك في جناتها وأغدغوا عليك من أطايب ثمارها فسكرت حتى الثمالة وفقدت الوعي بما حولك وأصبحت بوقا لمن تظنه قد أنعم عليك فتسبح بحمده واصلا ليلك بنهارك تحسب أنك - من فرط سكرتك - ترفل في جنة عرضها السموات واﻷرض و ما علمت أن العالم يمور من حولك بالصحو والنشاط يسعى ليجدد يومه بالخلق واﻹبداع واﻻبتكار وأنت سادر في غفلتك..لذا ستظل مندهشا ياسيدي الموطن ولن تفعل الدهشة أو تصنعها ماداموا فيها قاعدين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق